كُتاب الرأي

علو الهمة

علو الهمة

من طريق المخاطر إلى صناعة الأثر

بدر بن سالم 

هناك طريق مليء بالمخاطر، وفقد الأحباب، والهموم، وانقلاب الحال، لكنك بعد قطعه ستصل إلى ما تريد، ذلك الذي يتمناه كل مولود، ولا يصل إليه إلا اليسير من الناس.
طريق المخاطر هو طريق النجاح، وفقد الأحباب قد يأتي حين يرحل من كان قريبًا منك، فيتحول من محب إلى عدو، وتأتيك الهموم حين يذيقك الحبيب مر الكلام. أما انقلاب الحال، فيأتي حين تسير نحو النجاح؛ ستتعب، ويقل نومك، ويضيق زادك، وينظر إليك بعض الناس كأنك مجنون يطارد سرابًا. وحين تصل، هل أيقنت أن أحدًا سيهتف لك؟ أم أنك ستبقى صابرًا حتى تبلغ إنجازك، دون أن تجد من يلتفت إليك؟
حين اشتد أذى قريش على حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، جاء أبو طالب، وفي كتب السيرة ترد قصة عرض قريش عليه ما أرادت، وجاء في الرواية المشهورة قوله صلى الله عليه وسلم: «والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته». إنها صورة من صور علو الهمة، حين يكون الإنسان مؤمنًا برسالته، لا تزحزحه المغريات، ولا تثنيه المخاطر عن الطريق الذي اختاره.
وفي سيرتنا النبوية أمثلة كثيرة تبين علو الهمة، وكانت لي أنسًا حين لم يكن أحد يثق بكلماتي. نزلت روايتي الأولى، ثم تلتها الثانية، وأصبح اسم بدر بن سالم يتردد في عائلتي. لم تكن المسألة مجرد روايتين، بل كانت خطوة في طريق طويل، وإثباتًا لنفسي أن الحلم الذي طالما سكنني يمكن أن يرى النور، حتى إن لم يؤمن به الآخرون في بدايته.
كان هذا حديثي لأخي الروائي الجميل بدر بن عبدالله، صاحب الصوت الهادئ والمخزون اللفظي، وصاحب الفكر والرسالة. من أمنياته أن يصبح ناقدًا للرواية من أهل الحرفة، وأن يسهم في دعم المبدعين. ورغم وجود الأندية الأدبية، ومنها النادي الأدبي برابغ، فإنه يحمل أمنية يريد أن يراها تتحقق. ويكفي الإنسان شرفًا أن تكون له غاية يسعى إليها، ورسالة يريد أن يقدمها.
وحين يتحدث بدر بن عبدالله عن التفاصيل، تشعر كأنك أُسرت بأحداث قصته؛ يأخذك إلى عوالمها، ويجعلك تعيش معها، حتى تكاد ترى ما يصفه أمامك.
لكن هل هذا ما أصبو إليه؟ أأنتهي إلى بيع كتيباتي فحسب، أم أطمح إلى أن أفيد بلدي في ناحية الفكر؟ هل أريد أن يكون اسمي معروفًا، أم أن أترك أثرًا يبقى بعدي؟ وهل يمكن للأديب أن يجمع بين طموحه الشخصي ورسالة أوسع تخدم وطنه ومجتمعه؟
تذكرت الفرص التي تأتي إليّ، وكيف أن بعض الأبواب تفتح للإنسان حين يواصل السير، حتى لو لم يكن يعرف إلى أين ستأخذه خطوته التالية.
حين جاءني اتصال أبي سلطان، الأستاذ محمد الفريدي، يكرمني بكتابة رأيي في جريدة «آخر أخبار الأرض»، جاء أحد الإخوة وقال لي: أنت تشتت نفسك بين الكاتب والروائي، والأفضل أن توحد وجهتك.
لكنني تساءلت: وهل تعدد مجالات الكتابة تشتتًا بالضرورة؟ أليست الكتابة الصحفية امتدادًا لفكر الروائي، ما دام يحمل رسالة، ويبحث عن الحقيقة، ويحاول أن يترك أثرًا في القارئ؟
لقد كانت الجريدة بالنسبة إليّ أهزوجة منسجمة، لا نشاز فيها. وكم من كاتب فيها أتمنى أن أقبل رأسه إعجابًا بأطروحاته؛ فهو شرف لي بوصفي سعوديًا وعربيًا مسلمًا أن أقرأ لأقلام تحمل هذا الفكر، وتقدم ما يستحق القراءة والتأمل.
وحين أقرأ للأستاذ محمد الفريدي، أرى كيف يحترق من أجل دعم الجريدة، وكيف يسعى إلى أن يمنح الكتاب وأصحاب الأقلام مساحة يعبّرون فيها عن أفكارهم. وهنا أدرك أن دعم المبدعين ليس مجرد إتاحة مساحة للنشر، بل هو إيمان بأن الكلمة قد تصنع فرقًا، وأن الفكر يستحق من يرعاه ويمنحه الفرصة.
وتذكرت بيت المتنبي:
إذا كانتِ النفوسُ كبارًا
تعبتْ في مرادها الأجسامُ
فكلما كبرت الغاية، ازدادت مشقة الطريق، وكلما اتسع الطموح، احتاج صاحبه إلى صبر أطول، وعمل أكثر، وإيمان لا يتزعزع عند أول عثرة.
وتشرفت بديوانية القلم الذهبي، وبالأستاذ ياسر مدخلي، وكان الحديث معه شيقًا، ومن أجمل ما سمعت قوله إن الديوانية مفتوحة للأدباء والفنانين والمبدعين، لتوليد الأطروحات وتبادل الأفكار.
هذا الإنسان يحمل نهجًا واضحًا، ويريد تحريك الجمود، وفتح المجال أمام العقول كي تلتقي، وتتحاور، وتنتج ما ينفع الناس. وهذه في نظري صورة من صور الإبداع الإداري؛ أن ترى الحاجة إلى مساحة تجمع المبدعين، ثم تعمل على إيجادها، بدل أن تكتفي بالحديث عن غيابها.
فالإبداع في الإدارة هبة خصّ الله بها من عباده من يحسنون رؤية الفرص وصناعة المبادرات، وقد رأينا في وطننا ما يؤكد ذلك، في ظل رؤية 2030، التي يقود مسيرتها سيدي ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، في ظل والدي ومولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله.
ولو رجعنا بذاكرة السعوديين إلى الوراء، لوجدنا أن مساحات الإبداع والفرص لم تكن كما نراها اليوم، وأن بعض المجالات كانت محصورة في أماكن محدودة. أما اليوم، فلله الحمد والمنة، نرى الإبداع يتسع في مجالات شتى، ونرى شركات سعودية تناطح شركات عالمية، وتطالب بحصتها من السوق، وتنافس في ميادين كانت تبدو بعيدة المنال.
وكم من الدروس السياسية التي قدمتها المملكة للعالم، وكم من المواقف التي جعلت الدول تعيد حساباتها، وكم من رسائل التحذير والتنويهات التي انطلقت من الرياض لتؤكد أن للمملكة موقفًا، ورؤية، وقدرة على التأثير في محيطها والعالم.
وكم من حاج أو معتمر يعود إلى بلده، وتبقى في ذاكرته صورة التنظيم والخدمة والعناية بضيوف الرحمن. إنها تجربة تتجاوز أداء الواجب إلى صناعة أثر إنساني يبقى في ذاكرة الملايين.
وحين يتعلق الأمر بأرضنا وأمننا، وبفزعة المملكة لإخوانها وجيرانها في مواجهة من يعتدي عليهم، نرى مواقف البطولة والبسالة، ونرى كيف يقف رجالنا دفاعًا عن الأرض والحق، في وجه كل شرذمة باغية تسعى إلى إفقار الشعوب وإطفاء نور العلم بالجهل. ويقف العالم مشاهدًا هذه البطولات، سائلين الله أن يحفظ رجالنا، ويسدد رميهم، ويحفظ بلادنا من كل مكروه يُحاك لها في الخفاء، وأن يشملهم بحفظه ورعايته.
وما بين طريق الأديب الذي يبدأ بكلمة، وطريق المبدع الذي يصنع فرصة، وطريق الوطن الذي يبني مكانته بين الأمم، تبقى الهمة هي القاسم المشترك. فكل إنجاز بدأ بفكرة، وكل فكرة احتاجت إلى من يؤمن بها، وكل طريق عظيم احتاج إلى صبر على المخاطر والهموم، حتى يبلغ صاحبه غايته.
ولهذا، حين أنظر إلى تجربتي في الكتابة، وإلى الفرص التي أتيحت لي، وإلى المبدعين الذين التقيتهم، أجدني أعود إلى السؤال نفسه: هل أكتب لأبيع كتبي فحسب، أم أكتب لأضيف شيئًا إلى فكر بلادي؟ وأؤمن أن الكاتب يستطيع أن يطلب رزقه من قلمه، وأن يسعى إلى الاعتراف بموهبته، وفي الوقت نفسه يحمل رسالة تتجاوز ذاته؛ فليس بين الطموح الشخصي وخدمة الوطن تعارض، ما دام القلم صادقًا، والغاية نبيلة.
وكما قال الأمير بدر بن عبدالمحسن في قصيدته الوطنية:
فوق هام السحب وإن كنتِ ثرى
تبقى الهمة عنوان الطريق، ويبقى الأثر غاية من يعرف أن قيمة الإنسان ليست فيما يصل إليه وحده، بل فيما يتركه خلفه من فكر، وعمل، وكلمة نافعة.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.