كُتاب الرأي

الفزعة

الفزعة

نور شهاب في عتمة الليل

بدر بن سالم 

كنت في عملي حين شرّفني أخي أبو حسام، الأستاذ يوسف التويجري، بزيارة اعتدت أن أجد في كل مرة منها جمال المفردات، وثراء القصص، وطيب الحديث. لم تكن زياراته عابرة، بل كان يسأل عن أحوالي، ويمنح المجلس من روحه ما يجعلك تنسى ضجيج الحياة قليلًا.
وفي تلك الزيارة، كنت مثقلًا بأفكاري، متعبًا من تقلّبات الحياة وخذلان بعض من حولي. قلت له إنني أعاني من الخذلان، وإنني كلما أمّلت في صديق وجدته مشغولًا عني، وكأن حال لساني قول كعب بن زهير رضي الله عنه:
وَقالَ كُلُّ خَليلٍ كُنتُ آمُلُهُ
لا أُلفِيَنَّكَ إِنّي عَنكَ مَشغولُ
فَقُلتُ خَلّوا طَريقي لا أَبا لَكُمُ
فَكُلُّ ما قَدَّرَ الرَحمَنُ مَفعولُ
تبسّم أبو حسام، ثم قال لي كلمة بقي معناها في خاطري:
«يا بدر، لا تدور الفزعة إلا عند المنتف المعدوم والله يقطع لحمه لجل يفزع لك، ولا ترتكي للغني؛ فربما بخل صاحب المال بما يجود به صاحب الحاجة».
ثم أخذ يسرد لي من الحكايات ما يجعل المرء يعيد النظر في الناس، لا ليُسيء الظن بهم، بل ليتعلّم أن العطاء ليس مقياسه ما يملكه الإنسان، وإنما ما يسكن قلبه.
حين باع سيارته ليعين صديقه
قال لي إن رجلًا يعرفه مرّ بضائقة مالية شديدة، وكان عليه مبلغ أثقل كاهله. لجأ إلى صديق تاجر، من أصحاب الثروات، وكتب إليه يرجوه العون. مضى أسبوعان، ولم يجد جوابًا، حتى حذف رسالته، وبقي يحمل همّه وحده.
وفي يوم من الأيام، جاءه رجل يعرفه، من ميسوري الحال، لكنه ليس من أصحاب الثروات. سأله عن حاله، فقال الرجل المثقل بالدَّين: «الله يفرّجها».
ومضى اللقاء، ثم اتصل به ذلك الرجل في وقت متأخر من الليل.
قال له: «أبو فلان، المبلغ وصل».
تسلّم المال، وكانت الرزم من فئة الخمسمائة ريال، فسأله متعجبًا: «وين سيارتك؟».
قال: «بعتها، وبعت أرضًا لي».
هنا تتوقف الكلمات قليلًا؛ لأن بعض المواقف لا تحتاج إلى تعليق طويل.
رجل باع سيارته وأرضه ليخفف عن أخيه ضائقة، بينما رجل آخر يملك من المال ما يستطيع به تفريج الكربة، لكنه لم يكلّف نفسه حتى عناء الرد.
وليس المقصود أن كل غني بخيل، أو أن كل فقير كريم، فهذه أحكام لا ينصف بها الناس؛ إنما المقصود أن المال وحده لا يصنع المروءة، وأن قيمة الإنسان تظهر حين يستطيع أن يساعد، ثم يختار أن يفعل.
أدب العطاء
ومن أجمل ما في العطاء أن يأتي دون مَنٍّ أو أذى، وألا يتحوّل إلى قصة يرويها صاحبها في كل مجلس، أو وسيلة يذكّر بها المحتاج بضعفه.
فليس كل محتاج يريد أن يعرف الناس بحاجته، وليس كل مكسور قادرًا على شرح ما به.
وقد يكون أعظم ما تقدّمه لإنسان ليس المال وحده، بل أن تعطيه وأنت تحفظ ماء وجهه، فلا تسأله أمام الناس، ولا تحرجه بكثرة الأسئلة، ولا تجعله يشعر أنه صار مدينًا لك بكرامته.
وفي هذا المعنى، استحضرت قصة إلى أبو حسام حكاية عن الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله، صاحب التفسير المعروف، ومعلم الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله.
تقول الحكاية إن الشيخ زار أحد طلابه، وكان الطالب يعيش في بيت متواضع، سقفه من سعف النخل، وأثاثه بسيطًا. جلس الشيخ معه، وتحدث إليه ومازحه، ولم يُشعره بشيء من الفارق بين منزلته العلمية ومكانة الطالب أو حاله المادية.
وحين همّ الشيخ بالمغادرة، دعاه الطالب إلى العشاء، فقال الشيخ ما معناه إنه سيأتي قريبًا، ثم انصرف.
وبعد خروجه، أخبرت الزوجة زوجها أن الشيخ ترك مالًا خلف الكنبة.
فقال لها الزوج، بحسب الحكاية: «هذه عطية الشيخ، لم يشأ أن يُظهر لي ضعفي، فأكرمني».
ولأن هذه الرواية وصلتني في سياق الحديث، أوردها بمعناها، دون الجزم بتفاصيلها التاريخية. لكن معناها جدير بالتأمل: أن تعين إنسانًا دون أن تكسر في نفسه شيئًا، فذلك من أرفع وجوه الإحسان.
فكم من عطية أوجعت صاحبها بسبب المنّ، وكم من مساعدة أعادت إلى إنسان ثقته بنفسه؛ لأن صاحبها عرف كيف يعطي قبل أن يعرف كم يعطي.
ثم حكى لي أبو حسام قصة أخرى.
رجل ألمّت به ضائقة، فاتصل بأحد معارفه يطلب المساعدة، فأخبره الرجل أنه لا يملك المبلغ، لكنه دلّه على شخص آخر يستطيع أن يفزع له.
اتصل المحتاج بالرجل، وقال له إنه من طرف فلان، وشرح حاجته، وذكر المبلغ الذي ينقصه.
فجاءه الجواب: «أبشر».
وأعطاه ما يحتاج إليه، بل زاد على المبلغ المطلوب.
وبعد ذلك، اتصل الرجل الذي دلّه عليه صديقه، وقال له إن المحتاج أخبره بأنه أخذ المبلغ وزيادة.
فقال له: «لو تعرف حال هذا الرجل الذي أعانك! لقد قدّمك على نفسه، وهو يحمل من الهموم والكرب ما الله به عليم، لكنه لم يتردد في فزعتك».
وهنا يظهر معدن الرجال؛ فليس الكريم من يعطي حين تفيض يده، وإنما من يتذكّر حاجة غيره وهو لم يفرغ من حاجته.
قال الله تعالى في وصف الأنصار:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
وما أبلغ هذا المعنى حين يتحوّل من آية نتلوها إلى خُلُق نراه في حياة الناس؛ إنسان يؤثر أخاه على نفسه، ويخفف عنه، وهو أحوج إلى من يخفف عنه.
إلى صاحب الهمّ
يا صاحب الهمّ، إن ضاقت بك الدنيا، فلا تجعل خذلان بعض الناس حكمًا على الجميع، ولا تجعل بابًا أُغلق في وجهك سببًا لتفقد ثقتك بكل الأبواب.
اطلب حاجتك بعزة، واستعن بالله، وخذ بالأسباب، ولا تُحمّل نفسك عتابًا طويلًا لمن لم يستطع مساعدتك؛ فقد يكون معذورًا، وقد يكون مشغولًا بهموم لا تعرفها، وقد يكون قادرًا لكنه لا يريد. وفي كل الأحوال، لا تجعل قيمتك معلّقة باستجابة أحد.
ولا أقول لك: لا تطلب العون من غني، ولا تظن أن الفقير أكرم من صاحب المال؛ فالقلوب ليست سواء، والناس معادن، ولكل إنسان ظروفه وطبعه. إنما أقول: لا تحصر رجاءك في شخص، ولا تظن أن مفاتيح الفرج كلها في يد من تملك أموالهم.
قد يسوق الله إليك الفرج على يد رجل لا يملك إلا القليل، لكنه يحمل قلبًا كبيرًا، وقد يأتيك العون من طريق لم يخطر لك على بال.
واعذرني بكلمة نجدية يعرف معناها أهلها: الفزعة نور شهاب في عتمة ليل؛ تظهر حين تشتد الظلمة، وتدلّك على أن الدنيا ما زال فيها رجال لا يتركون صاحب الحاجة وحده.
وقليلٌ من الناس من يفعل ذلك، لكن وجودهم يكفي ليذكّرك بأن الخير لم ينقطع.
فلا تنقم على الناس جميعًا بسبب من خذلك، ولا تنسَ من وقف معك حين احتجت إليه. وإذا جاء يوم قدرت فيه على إعانة محتاج، فتذكّر شعورك حين كنت مكانه، وأعنه بما تستطيع، وأحفظ كرامته كما تتمنى أن يحفظ الناس كرامتك.
فقد ينسى المحتاج مقدار ما أعطيته، لكنه لا ينسى كيف جعلته يشعر وهو يأخذ.
والفزعة الحقيقية ليست أن تملأ يد المحتاج بالمال فحسب، بل أن تملأ قلبه طمأنينة، وتترك رأسه مرفوعًا، ثم تمضي كأنك لم تفعل شيئًا.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.