كُتاب الرأينحن طويق

الأمن المعرفي… مناعة العقول واستدامة الأوطان

الأمن المعرفي… مناعة العقول واستدامة الأوطان

بقلم: الأستاذة الدكتورة/ حياة عبد العزيز نياز

لم يعد الأمن الوطني في عالم تتسارع فيه التحولات التقنية وتتعدد فيه مصادر التأثير مقتصرًا على حماية الحدود ومواجهة التهديدات المباشرة، بل بات مرتبطًا بقدرة المجتمع على صون وعيه، وحماية منظومته القيمية، والتعامل الرشيد مع المعرفة. فمناعة الأوطان لا تستند إلى قوة مؤسساتها فحسب، وإنما تتعزز بوعي أفرادها وإدراكهم للمخاطر وقدرتهم على مواجهتها بمسؤولية.

وفي ظل الثورة الرقمية، تبرز تحديات غير مسبوقة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتزييف العميق (Deepfakes)، وخوارزميات «غرف الصدى» (Echo Chambers) التي تحصر الأفراد في دوائر معلوماتية متجانسة، وتحدّ من تعرضهم لوجهات النظر المختلفة؛ مما يزيد احتمالات التأثر بالمحتوى المضلل. وهنا يبرز الأمن المعرفي بوصفه ركيزة استراتيجية للأمن الوطني، تقوم على تحصين العقول بالمعرفة والمنهج العلمي، وتمكين الإنسان من التمييز بين الحقائق والآراء، والتأثير المشروع والتلاعب الممنهج بالوعي.

ولا يعني الأمن المعرفي الانغلاق الفكري أو تقييد حرية التعبير والاختلاف المشروع، بل يقتضي توفير بيئة معرفية تحترم استقلال التفكير، وتواجه التضليل بالأدلة والحجة، لا بمصادرة الرأي. فالمجتمعات الأكثر مناعة ليست تلك التي تغيب عنها الأفكار المتباينة، وإنما التي يمتلك أفرادها القدرة على مناقشتها وتمحيصها دون الوقوع في فخ الشائعات أو الانسياق خلف المحتوى الموجّه.

وتكشف البيئة الرقمية عن مفارقة جوهرية؛ إذ إن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة، كما أن سرعة تداولها قد تسبق القدرة على استيعابها وتقييمها. ومن ثم، فإن مواجهة التضليل لا ينبغي أن تظل استجابة لاحقة لانتشاره، بل يجب أن تتجه نحو الوقاية المعرفية، عبر تنمية مهارات التفكير النقدي والتربية الإعلامية والرقمية. فالتصحيح يعالج آثار المعلومة المضللة، بينما تسهم الوقاية في الحد من قابليتها للتأثير والانتشار.

وفي هذا الإطار، تتأكد المسؤولية الاستراتيجية للجامعات، التي تتجاوز رسالتها نقل المعارف إلى بناء القدرات العقلية والبحثية والأخلاقية. فالجامعة المعاصرة مطالبة بإعداد أجيال تمتلك أدوات الاستدلال العلمي، وتفهم أبعاد التحولات التقنية وانعكاساتها المجتمعية. كما تستطيع الجامعات، من خلال شراكاتها البحثية مع الجهات المختصة، الإسهام في استشراف المخاطر الرقمية، وتطوير برامج التوعية الوقائية، وقياس أثرها في السلوك المجتمعي، بما يجعل المعرفة قوة فاعلة في دعم الأمن الوطني.

وفي المملكة العربية السعودية، تكتسب هذه المسؤولية بُعدًا تنمويًا يتصل بمستهدفات رؤية السعودية 2030، القائمة على بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح. فالتقدم التقني والتحول الرقمي يستلزمان استثمارًا موازيًا في بناء الإنسان، وتنمية كفاءاته المعرفية، وتعزيز أخلاقيات استخدام التقنية. ومن هذا المنطلق، يغدو الأمن المعرفي أحد المقومات الداعمة لاستدامة التنمية، بما يوفره من قدرة مجتمعية على التكيف الواعي مع المتغيرات وحماية المكتسبات الوطنية.

ويتطلب تحقيق ذلك تكاملًا مؤسسيًا تتحدد فيه الأدوار وتتضافر الجهود؛ فالمؤسسات الأمنية تتولى حماية الوطن والتصدي للتهديدات ضمن اختصاصاتها، والمؤسسات التعليمية تبني القدرات المعرفية، فيما تسهم المؤسسات الإعلامية في ترسيخ المهنية وتعزيز موثوقية المحتوى، وتدعم المؤسسات المجتمعية تحويل هذه الجهود إلى ممارسات مستدامة. ويضمن هذا التكامل ألا تبقى التوعية نشاطًا موسميًا، بل تصبح جزءًا من منظومة وطنية متصلة الأثر.

ويبقى الفرد محور هذه المنظومة وغايتها؛ إذ تبدأ مسؤوليته من إدراك أن ما يتلقاه أو يتداوله في الفضاء الرقمي قد يتجاوز أثره حدود تجربته الشخصية إلى المجال العام. ومن هنا، فإن ممارسة الحرية المعرفية تقترن بالمسؤولية الأخلاقية، ويصبح الوعي بأثر الكلمة والمعلومة أحد مظاهر المواطنة الفاعلة.

وتأتي مبادرة «نحن طويق الإعلامية» لتجسد هذا المعنى، مترجمةً الوعي المعرفي إلى سلوك مجتمعي ملموس، بحيث يصبح التثبت قبل النشر ثقافة راسخة، والتعامل المسؤول مع المحتوى الرقمي ممارسة تعكس الوعي بالمصلحة الوطنية المشتركة. وهكذا يتجلى التكامل بين المعرفة والمسؤولية والتعاون مع الجهات الأمنية في حماية المجتمع من مخاطر التضليل.

إن الأمن المعرفي ليس مجرد استجابة لتحديات العصر الرقمي، بل استثمار طويل المدى في الإنسان، تتكامل فيه قوة المؤسسات مع استقلال العقل ورشادة السلوك. وكلما ترسخت هذه المقومات، تعززت قدرة الوطن على مواجهة التحديات، ومواكبة التحولات، وصون مكتسباته، وترسيخ دعائم أمنه وتنميته المستدامة.

تعاونك مع الأمن… هو أمن الجميع .

كاتبة رأي

#نحن_طويق

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.