كُتاب الرأي

لماذا لا أمسك بالكوب الساخن؟

لماذا لا أمسك بالكوب الساخن؟

بدر بن سالم 

في أغنية الفنانة الكبيرة نانسي عجرم تقول:
«في حاجات تتحس ومتتقالش
وإن جيت أطلبها أنا مقدرش
ولو أنت عملتها بعد ما أنا أطلبها يبقى مينفعش».
هنا استوقفتني هذه الكلمات.
هل عالم الرجل إلى هذه الدرجة لا يعلم عالم بنت حواء؟ هل هناك أشياء تنتظر المرأة من الرجل أن يشعر بها دون أن تطلبها؟
عاشرت أطباء نفسيين، وسمعت كبار السن، وكلٌّ يدلي بدلوه في هذا العالم الغريب. ولست هنا ككاتب أردد مقولة «الرجال من المريخ والنساء من الزهرة»، فتركيبتنا الاجتماعية تختلف عن الغرب يا عزيزي، وليس كل ما يُكتب هناك يصلح أن نعمل به هنا.
تخيل أن يأتي الرجل منهكاً من عمله، أو عائداً من عزومة، فتختلق الزوجة مشكلة وتطلب الطلاق، أو تطلق لسانها بكلمات جارحة ومقارنات لا تنتهي.
منا من يخرج من البيت وينام في سيارته، أو في استراحة، أو يذهب إلى بيت أهله. ومنا من يدخل في نقاش حاد حتى يصل الأمر إلى الطلاق، ثم يذهب إلى المفتي يسأل عن حكم طلاقه وهو في حالة غضب.
وهناك من يمد يده على المرأة، مستنداً إلى آية قرآنية يفهمها بجهل، وكأن الضرب حل للخلاف!
لكن هل فكرنا يوماً أن وراء بعض هذه التصرفات احتياجاً إلى الاحتواء؟ ربما هي لا تقول لك بوضوح: احتويني، أريدك بجانبي، أريدك أن تفهم ما أشعر به.
وهنا لا بد أن نفرق بين فهم المشاعر وقبول الإهانة؛ فالاحتواء لا يعني أن يتنازل الإنسان عن كرامته.
كان شرف اللقاء مع الإعلامية المتميزة مريم السلمي، في حوار عن «لماذا لا أمسك بالكوب الساخن؟»، مع المدرب الدولي سالم الفريدي.
وكان الحديث عن الانفجار المفاجئ: كيف أتحمل؟ وكيف أضبط انفعالي دون أن أسمح لأحد بالانتقاص من شخصي؟
أجاب الأستاذ سالم بأن الإنسان يحتاج إلى الدورات والصقل والتدريب، وأن الحليم يتحلّم.
لنكن على علم، أخي وأختي، أن اللسان ليس عظمة، لكنه يكسر العظام. والكلمة الجارحة، من الرجل أو المرأة، تبقى آثارها متعبة في النفس، ولا أعتقد أن تراكم الردود الجارحة يصنع حباً أو مودة.
أذكر أن دكتوراً حدثني من واقع الاستشارات عن امرأة طلبت الطلاق، مع أن الرجل يعطيها كامل حقوقها ويوفر لها ما ترغب فيه. وحين سُئلت عن السبب، قالت: كل صديقاتي مطلقات، وأريد أن أكون مثلهن!
وحدثني أحد كبار السن أنه إذا رفعت المرأة صوتها على زوجها قال له: أعطها الكرت الأحمر!
لكن هذا الرجل، بعد عشرين عاماً، وجد نفسه بلا زواج، ولا أحد يهتم به؛ لأنه أكثر من الطلاق، ولم يدرك أن لكل قرار تبعات، وأن تبعات الطلاق تتبعها تبعات.
لا أقول إن الرجال هم السبب، ولا إن النساء هن السبب، لكن لنمسك العصا من المنتصف.
هل الرجل الذي يحارب في هذه الحياة من أجل تكوين أسرة وفتح بيت وتلبية الحاجات، رغم اتصالات البنوك وتهديدها بإقفال رصيده، وحرمان نفسه من السفر أو الخروج في يوم رومانسي، يستحق أن يكون موضع اتهام دائم؟
وفي المقابل، الرجل الذي يريد من زوجته أن تعينه براتبها على مصاريف البيت، إن وافقت فالحمد لله، لكن لا يجعلها تحت تهديد الزواج عليها أو حرمانها من حقوقها.
الإنسان يجب أن يكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله»، وأن يكون هيناً ليناً في تعامله.
وحين تقرر الطلاق، أرجوك أن تنظر إلى حال الأبناء والزوجة، وأن تسأل نفسك: هل سأكون أباً حاضراً؟ أم سأكون ممن يتهربون من نفقة الأطفال ومسؤولياتهم؟
أذكر أن ابني فهد، وهو أخ غالٍ علي، قال لي: الله يخليه لك، أنا مطلق من سبع سنوات، وما شفت عيالي من خمس سنين.
قلت له: أخي وحبيبي، أنت بهذا التصرف تبني أحقاداً بين أبنائك وإخوتهم. الابن يريد أباه بجانبه، يمسح على رأسه، يهديه الحنان، ويشعره أن له أباً مهما تغيرت ظروف الحياة.
وأذكر أختاً من بلدي الطيب قالت: سأتزوج مطلقاً وله ابن، وسأجعله ابناً لي، وأكون له أختاً وصديقة.
هنا عرفت أن البيت الطيب لا يُقاس بكثرة المال، بل بما يسكنه من رحمة. والحمد لله، أمثال هذه المرأة كثيرون في بلدي وبلدان العرب عامة.
حين تغضب، أرجوك تروَّ وانتظر.
قد تعوّضك الحياة قريباً، لكن لا تجعل الاعتذار غايتك، ولا تجعل كرامتك سبباً في حمل الحقد. كن قوياً في الحق، رفيقاً في التعامل.
فالرجال دفّان، مثلما يقول المثل عندنا في نجد، وأمير القوم لا يحمل الحقدا.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.