كُتاب الرأي

حكمة الثلاثين عام

حكمة الثلاثين عام

بدر بن سالم 

أتذكر سؤالًا سمعته قبل أكثر من ثلاثين عامًا، وما زال صداه يتردد في ذهني إلى اليوم. كنت يومها متضجرًا من صعوبات الحياة، أرى التعب أكثر من الراحة، والعقبات أكثر من الفرص. فقال لي رجل حكيم: “لو افترضنا أن نهاية الحياة لا جنة فيها ولا نار، فكيف ستعيش؟”
ظننت أن الجواب سهل، لكنه كان من تلك الأسئلة التي تكبر مع العمر بدل أن تصغر. بحثت في الكتب، وتأملت أحوال الناس، فوجدت أن بعض البشر يفعل الخير لأنه ينتظر الجزاء، وبعضهم يفعله لأنه لا يستطيع أن يكون إلا كذلك.
ويُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب قوله: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.” وهي حكمة تجمع بين السعي والمسؤولية، فلا تهمل مستقبلك، ولا تنسَ أن العمر محدود مهما طال.
وتذكرت قصة غربية تُروى عن عامل نظافة بسيط كان يعثر كل صباح على محفظات وأشياء مفقودة في محطة قطارات مزدحمة. كان يعيدها لأصحابها دون أن يأخذ شيئًا لنفسه. سأله أحدهم يومًا: “لماذا تفعل ذلك وأنت تعلم أن كثيرًا منهم لن يعرفوا اسمك ولن يكافئوك؟” فأجاب: “لأنني عندما أعود إلى منزلي أريد أن أعيش مع نفسي بسلام.”
حينها أدركت أن السؤال الحقيقي ليس: هل هناك ثواب أو عقاب؟ بل: أي إنسان تريد أن تكون؟ فالقيم ليست مجرد تجارة أرباح وخسائر، بل هي البناء الذي يشكّل روح الإنسان. قد يختلف الناس في معتقداتهم وتصوراتهم عن النهاية، لكنهم يتفقون أن الصدق أجمل من الكذب، وأن الرحمة أكرم من القسوة، وأن الأثر الطيب يبقى في القلوب بعد رحيل أصحابه.
ولعل أعظم ما يتعلمه الإنسان مع العمر أن الحياة ليست انتظارًا لما يأتي بعد النهاية فقط، بل هي أيضًا ما نصنعه اليوم من خيرٍ ومعنى وأثرٍ جميل.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.