كُتاب الرأي

​هل يجب على الكاتب أن يتدرّج قبل أن يصنع عملاً كبيراً؟

​​هل يجب على الكاتب أن يتدرّج قبل أن يصنع عملاً كبيراً؟

بدر بن سالم 

في لقاء أدبي وفني جمعني بالأستاذ نزار السليماني، الممثل السعودي والمخرج والمدرب المعتمد، والمخرج والممثل اللبناني جوزيف جورج عبود، الذي شارك في أعمال مع المخرج العالمي يوسف شاهين، وبحضور الروائي رفيق الدرب في المسيرة الأستاذ بدر الفاهد ، دار نقاش ثري حول صناعة الأفلام وكتابة الرواية والسيناريو.
​كان النقاش يدور حول مسيرة الكاتب، وهل يجب عليه أن يتدرّج في الكتابة، ويبدأ بأعمال صغيرة، ثم ينتقل إلى مراحل أكبر حتى يصل إلى كتابة فيلم سينمائي؟
​أرى أن التدرّج مهم، وأتفق مع هذه الرؤية؛ فالخبرة تصقل الموهبة، والتجربة تمنح الكاتب أدوات أوسع في بناء الشخصيات والحبكة وتطوير الأحداث.
​لكن هل التدرّج قاعدة لا يمكن تجاوزها؟
​هنا استحضرت فيلم Taxi Driver (سائق التاكسي)، الذي كتبه بول شريدر وأخرجه مارتن سكورسيزي، وهو من الأفلام التي تستحق التأمل في كيفية انتقال الفكرة من تجربة إنسانية إلى عمل سينمائي عظيم.
​بدأت الحكاية من تجربة نفسية وإنسانية قاسية، ومن مشاعر الوحدة والاغتراب، ثم تحولت إلى شخصية ترافيس بيكل، سائق التاكسي الذي يعيش في ليل نيويورك، ويراقب المدينة وتناقضاتها، حتى أصبح صراعه الداخلي هو قلب الحكاية.
​لكن الابتكار لم يتوقف عند حدود السيناريو؛ فقد جاءت رؤية سكورسيزي الإخراجية، ومدير التصوير مايكل تشابمان، لتمنح النص لغة بصرية مختلفة، من خلال الإضاءة والألوان واللقطات والأجواء الليلية، فتحولت الكلمات إلى تجربة سينمائية بقيت في ذاكرة السينما العالمية.
​وهنا أعود إلى جوهر النقاش: قد يحتاج الكاتب إلى التدرّج والتجربة، وقد تأتيه فكرة استثنائية منذ البداية، فيمتلك القدرة على تحويلها إلى عمل كبير.
​أنا لا أقلل من قيمة التدرّج، بل أراه طريقاً مهماً لصقل الكاتب، لكنني لا أعتقد أن الإبداع يسير دائماً وفق هرم واحد.
​فالتدرّج يصقل الموهبة، لكن الفكرة الاستثنائية قد تختصر المسافات، ويبقى الفرق في قدرة الكاتب على تحويلها إلى عمل يستحق البقاء.
​الحياة تحتاج إلى مغامرة وثقة، جرّب مهاراتك، ولا تحصر نفسك في مجرى واحد، لكن احذر أن تشتت نفسك في كل اتجاه. فالتعب على النفس، والسعي نحو الكمال، هما من أصعب ما يواجه الإنسان في رحلته.
​وحين استمعت إلى المتحدث، تأملت معنى الإصرار والبحث عن الجديد، وتذكرت كم من إنسان حاربته النصائح في بداياته، وكم من مرة سمع أن ما يفعله لا يطعمه عيشاً، وأن عليه أن يترك قلمه أو موهبته ويبحث عن طريق آخر.
​ثم تمر السنوات، وتتغير لغة الناصحين؛ فبعد أن كانوا يحذرونك من الطريق، أصبحوا يسألون عن جديدك، ويهتفون بقلمك أو أدائك!
​بعض الناصحين لا تنقصهم المعرفة، لكنهم لا يملكون جرأة التجربة، ولا شجاعة كسر الخوف، فيقيسون أحلام الآخرين بمساحة مخاوفهم.
​لا تجعل خوف الآخرين سقفاً لطموحك، ولا تجعل نصائحهم سجناً لمواهبك. اسعَ، وجرّب، وتعلّم، واصنع لنفسك طريقاً، مع الاحتفاظ ببوصلة لا تضل بها.
​ولعل أجمل ما يختصر هذه الرحلة قول الشاعر أبو القاسم الشابي:
​ومن يتهيب صعود الجبال
يعش أبد الدهر بين الحفر

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.