كُتاب الرأي

حين تُدار المدارس ولا تُقاد

حين تُدار المدارس ولا تُقاد

أين يبدأ التغيير؟

أ.سعود الشريف

ليست المشكلة في أن تُدار المدارس، بل في أن تتحول الإدارة إلى غاية، وأن يصبح انتظام الإجراءات دليلًا كافيًا على نجاح المؤسسة التعليمية. فقد تنضبط الجداول، وتكتمل السجلات، وتُرفع التقارير في مواعيدها، بينما يظل السؤال الأكثر أهمية غائبًا: ماذا تغيّر في تعلم الطالب؟ وما الأثر الذي أحدثته المدرسة في الإنسان الذي دخل أبوابها؟
هنا تتجلى المسافة بين إدارة العمل وقيادة الأثر؛ فالإدارة تسأل: هل أُنجزت المهمة؟ أما القيادة فتتجاوز ذلك لتسأل: ماذا أضاف هذا الإنجاز؟ وأي قيمة أحدثها؟ وما الذي ينبغي أن نطوره في المرة القادمة؟
ولا يعني هذا التقليل من أهمية الإدارة أو التقيد بالأنظمة؛ فالانضباط المؤسسي ضرورة لا تستقيم دونها العملية التعليمية. لكن الإشكال يبدأ حين تبتلع الوسائلُ الغاياتِ، وحين تصبح المدرسة أكثر انشغالًا بإثبات أنها تعمل من اهتمامها بالتحقق من جودة ما تقدمه.
إن المؤسسات التعليمية لا تُقاس فاعليتها بما تنتجه من وثائق فحسب، وإنما بما تحققه من تعلم، وما تبنيه من قدرات، وما تتركه من أثر مستدام. فالوثيقة شاهد على الممارسة، لكنها ليست بديلًا عنها، والتقرير أداة للفهم والتحسين، لا شهادة نهائية على جودة الأداء.
وفي بعض الممارسات الإدارية، قد يُختزل نجاح القائد في قدرته على ضبط التفاصيل اليومية، ومتابعة الالتزام، ومعالجة المشكلات الطارئة. وهي مسؤوليات مشروعة، غير أن الاقتصار عليها يجعل القيادة أسيرة الحاضر، ويُضعف قدرتها على استشراف المستقبل. فالقائد الحقيقي لا يكتفي بأن تسير المؤسسة وفق المعتاد، بل يمتلك الشجاعة الفكرية ليسأل: لماذا نفعل ما نفعله بهذه الطريقة؟ وهل توجد طريقة أكثر أثرًا؟
ذلك السؤال البسيط هو البوابة الأولى للتغيير.
فالتغيير التربوي لا يبدأ دائمًا بقرار إداري، ولا يحتاج بالضرورة إلى مشروع ضخم أو موارد استثنائية؛ فقد يبدأ بإعادة النظر في ممارسة مألوفة، أو بفتح مساحة لحوار مهني صادق، أو بتحويل نتائج التقويم من أرقام محفوظة إلى معرفة توجه التدريس وتدعم تعلم الطلاب.
ومن هنا تبرز أهمية إدارة المعرفة في المؤسسات التعليمية؛ إذ لا تكمن قيمة المعرفة في امتلاكها، بل في القدرة على توظيفها وتبادلها وتحويلها إلى قرارات وممارسات قابلة للتحسين. فما الجدوى من خبرة تعليمية ناجحة إذا بقيت حبيسة صاحبها؟ وما قيمة البيانات إذا لم تتحول إلى فهم أعمق للمشكلة، ثم إلى إجراء ينعكس على واقع التعلم؟
إن المدرسة التي تتعلم من تجاربها، وتستثمر خبرات معلميها، وتراجع قراراتها في ضوء الأدلة، تمتلك مقومات التطور الذاتي. أما المدرسة التي تكرر ممارساتها لمجرد اعتيادها، فقد تحافظ على انتظامها سنوات طويلة دون أن تحقق تحولًا حقيقيًا في أدائها.

ولا يمكن لهذه النقلة أن تتحقق في بيئة تخشى السؤال، أو تنظر إلى الاختلاف بوصفه تهديدًا للسلطة الإدارية. فالقيادة الواعية تدرك أن المعلم ليس مجرد منفذ للتعليمات، بل شريك في التفكير والتطوير، وأن تمكينه لا يعني التخلي عن المساءلة، وإنما بناء مسؤولية مهنية تقوم على الثقة والكفاءة ووضوح التوقعات.
والقائد الذي يحتكر القرار قد يضمن سرعة التنفيذ، لكنه يخاطر بإضعاف المبادرة. أما الذي يبني ثقافة المشاركة والتعلم، فإنه لا يصنع تابعين أكثر التزامًا فحسب، بل يسهم في إعداد قادة قادرين على تحمل المسؤولية وصناعة الحلول.
وهنا ينبغي أن نعيد النظر في مفهوم النجاح الإداري داخل المدرسة. فليس كل هدوء دليلًا على الجودة، ولا كل انتظام علامة على التطور، كما أن غياب المشكلات الظاهرة لا يعني بالضرورة وجود بيئة تعليمية فاعلة. فقد يكون السؤال الذي لم يُطرح، والمشكلة التي لم تُناقش، والمبادرة التي لم تجد من يحتضنها، أكثر دلالة على واقع المؤسسة من تقاريرها المكتملة.
إن التحول المنشود في مدارسنا لا يقتضي المفاضلة بين الإدارة والقيادة، بل تحقيق التكامل بينهما؛ إدارة تحفظ استقرار المؤسسة، وقيادة تمنح هذا الاستقرار معنى واتجاهًا. فالأولى تنظم الموارد والإجراءات، والثانية تستثمرها لصناعة قيمة تربوية تتجاوز حدود العمل الروتيني.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات المعرفية والتقنية، لم يعد كافيًا أن تُدار المؤسسات التعليمية بعقلية المحافظة على الموجود؛ لأن المحافظة على الأداء ذاته في عالم متغير قد تعني تراجعًا غير مرئي. وأصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى قيادات تمتلك وعيًا نقديًا، وتقرأ الواقع بموضوعية، وتتعامل مع التطوير باعتباره ثقافة مؤسسية مستمرة، لا مناسبة عابرة.
وأخيرًا، فإن السؤال الأجدر بالتأمل ليس: كم مهمة أنجزنا هذا العام؟ بل: كم فكرة تحولت إلى ممارسة؟ وكم ممارسة أحدثت فرقًا في تعلم الطلاب؟ وكم إنسانًا أصبح أكثر قدرة وثقة بفضل ما قدمته المدرسة؟
فالمدرسة التي تُدار جيدًا تستطيع أن تحافظ على انتظام يومها، أما المدرسة التي تُقاد بوعي فتستطيع أن تصنع مستقبلها.

كاتب رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.