كُتاب الرأي

ذاكرةُ الودِّ لا تغيب

ذاكرةُ الودِّ لا تغيب

ليست كل اللقاءات محطاتٍ عابرة في قطار العمر، ولا كل الوجوه التي نصادفها تمضي كما جاءت ،فثمة وجوهٌ نلتقيها على هامش الأيام، ثم نكتشف أنها احتلت في الذاكرة مساحةً لم نكن قد أعددناها لها، وثمة أرواحٌ لا تحتاج إلى طول العِشرة كي تألفها قلوبنا، ولا إلى تكرار المجالس كي نشعر بقربها ،تأتي ببساطتها، وتجلس بين تفاصيل يومنا العادي، ثم تغادر، لكنها تترك في النفس شيئًا لا يغادر.

كم هو عجيب أمر الألفة!
كيف يمكن لأشخاص لم تجمعنا بهم سنوات، ولم نتشارك معهم تفاصيل الحياة، أن يتركوا فينا هذا القدر من الود؟ !
وكيف تستطيع لحظات قليلة أن تصنع ذكرى تستحق أن نستعيدها كلما مرّت بنا نسمة حنين؟ !
لعل القلوب لا تقيس المسافات كما نقيسها نحن، ولا تحسب المحبة بعدد الأيام واللقاءات، فهي تعرف أحيانًا ما لا تستطيع اللغة تفسيره، وتميل إلى أرواح بعينها دون أن تطلب إذنًا من العقل أو تبحث عن مبرر.

هناك أناسٌ يحملون في طباعهم شيئًا من الطمأنينة، فيجعلون الغريب يألفهم، والحديث معهم يبدو امتدادًا لألفة قديمة.

لا يتكلفون القرب، ولا يبالغون في إظهار الود، لكن في عفويتهم ما يكفي لفتح أبواب القلب ،وربما لا يدركون، وهم يغادرون مجلسًا عاديًا في نظرهم، أنهم تركوا في نفوس من استقبلوهم ذكرى استثنائية، وأن كلماتهم العابرة قد أصبحت حديثًا داخليًا يتجدد كلما مرّ طيفهم في الذاكرة.

إن بعض اللقاءات لا تبدأ من فراغ، بل تبدأ من حسن الظن ،ودفء الحديث، وتلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلتفت إليها كثيرون، لكنها تصنع الفارق في النفوس.

ابتسامة صادقة، دعابة لطيفة، سؤال يحمل اهتمامًا، حديث لا يتكلف صاحبه فيه، ومجلس يشعر فيه المرء أنه ليس غريبًا،كل ذلك قد يصنع من اللقاء القصير ذكرى طويلة العمر.

ولعل أجمل ما في الإنسان أن يكون قادرًا على أن يمنح الآخرين شعورًا جميلًا دون أن يقصد، وأن يترك في قلوبهم أثرًا طيبًا دون أن يعلم، فليست العظمة دائمًا في المواقف الكبيرة، ولا في الكلمات التي تُقال على الملأ، أحيانًا تكمن في بساطة الحضور، وفي لطف المعاملة، وفي تلك الروح التي تجعل المكان أكثر دفئًا لمجرد أنها كانت فيه.

لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق ما تستحسنه قلوبنا،فكم من بداية استبشرنا بها، وكم من طريق ظننا أنه سيمتد، ثم جاءت الأقدار لتختار له وجهة أخرى ،وكم من أشخاص تمنينا أن تمنحنا الأيام معهم فرصًا أكثر، ومجالس أطول، وأحاديث لا يقطعها الوداع، لكن لكل إنسان نصيبه من الطرق، ولكل حكاية قدرها الذي لا نملكه.

وهنا تكمن إحدى الحقائق الرقيقة التي نتعلمها مع مرور العمر ،ليس كل ما لم يكتمل كان ناقصًا، وليس كل ما لم يستمر كان بلا قيمة ،فهناك تجارب تكتمل قيمتها في أثرها، ولقاءات تؤدي رسالتها في نفوسنا دون أن تتحول إلى صحبة طويلة، وأشخاص لا تجمعنا بهم الأيام كما تمنينا، لكنهم يظلون في ذاكرتنا من أجمل ما مرّ بنا.

قد لا تتوافق الطرق، وقد تختلف وجهات الحياة، وقد تمضي الظروف في اتجاه لا يشبه رغباتنا، لكن ذلك كله لا ينبغي أن يغيّر نظرتنا إلى الجمال الذي وجدناه في بعض الأشخاص. فليس من الإنصاف أن نحاكم جمال البدايات بما آلت إليه النهايات، أو أن نسمح لاختلاف الأقدار بأن يمحو صدق المشاعر التي صاحبت لقاءً ما.

إن من نبل النفس أن تظل قادرة على الامتنان حتى حين لا تحصل على ما كانت ترجوه، وأن تحفظ للناس جميلهم، فلا تجعل اختلاف المسارات سببًا لتبدل المشاعر، ولا تجعل انقطاع التواصل مبررًا لنسيان المواقف الطيبة،فالمحبة الصافية لا تحتاج إلى امتلاك، ولا تشترط استمرار القرب، ولا تجعل من الغياب خصومة. إنها ببساطة شعور جميل نتمنى معه الخير لمن أحببنا، سواء بقوا قريبين أم أخذتهم الحياة إلى وجهة أخرى.

وما أرقّ أن نتذكر بعض الأشخاص دون أن نبحث عن سبب للتواصل معهم، وأن يمرّ اسمهم في حديث عابر فتسبق الابتسامة كلماتنا، وأن نتذكر مجالس جمعتنا بهم فنشعر بشيء من الحنين، لا حنينًا مثقلًا بالحسرة، بل حنينًا ممتنًا لذكرى جميلة. فثمة أشخاص لا نشتاق إليهم لأن بيننا حكايات كثيرة، بل لأن القليل الذي عرفناه منهم كان كافيًا ليترك فينا أثرًا كبيرًا.

ولعلنا لا ندرك قيمة بعض اللقاءات إلا بعد أن تنتهي،حين نعود إلى تفاصيلها، فنكتشف أننا كنا أكثر سعادة مما ظننا، وأننا كنا نعيش لحظات تستحق التأمل، وأن بعض الكلمات التي قيلت بعفوية كانت أعمق أثرًا من عبارات كثيرة قيلت بقصد. عندها نفهم أن الذكريات لا تُصنع دائمًا من الأحداث الاستثنائية، بل قد تولد من مجلس بسيط، وضيافة دافئة، ووجوه أشرقت في المكان، وأرواح جعلت الوقت يمضي خفيفًا.

وكم أتمنى لو أن الناس يدركون أثرهم في الآخرين! لو يعلمون أن بعضهم يغادرون المكان وقد تركوا وراءهم دعوات صادقة، وأن هناك من يتذكر لطفهم في أوقات لا تخطر لهم على بال، وأن استقبالًا حسنًا قد يظل في ذاكرة إنسان سنوات، وأن كلمة طيبة قد تكون أكثر الأشياء بقاءً في قلب من سمعها.

فليس كل غياب نسيانًا، وليس كل صمت جفاءً، وليس كل ابتعاد إعلانًا عن انتهاء المودة. أحيانًا لا نفعل شيئًا سوى أننا نترك للأيام حرية ترتيب المسافات، ونحتفظ في قلوبنا بمكانة تليق بمن مرّوا بنا بطيب، دون أن نحمّلهم مسؤولية استمرار الحكاية أو نحمّل الأقدار عتابًا على ما اختارت.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه تلك الأرواح أن ندعو لها في غيابها، وأن نتمنى لها من الخير أوسعه، وأن تظل ذكراها في نفوسنا مرتبطة بالرضا والامتنان. فالحياة أقصر من أن نفسد جمال ما مضى بالعتب، وأثمن من أن ننكر فضل لحظات منحتنا شعورًا صادقًا بالسعادة.

إننا لا نملك دائمًا أن نختار من يستمر في حياتنا، لكننا نملك أن نختار كيف نتذكره. نملك أن نحفظ الود، وأن نصون جميل العشرة وإن قصرت، وأن نعترف بأن بعض الأشخاص كانوا هدية لطيفة في طريقنا، حتى وإن لم يصبحوا جزءًا دائمًا من تفاصيله.

فما أجمل أن يمرّ الإنسان في حياة غيره فيترك قلبًا ممتنًا، وذكرى طيبة، ودعوة صادقة! وما أجمل أن نختلف مع الأقدار في أمنياتنا، ثم لا نختلف معها في الرضا، وأن نقبل اختلاف الطرق دون أن نتنازل عن جمال المشاعر.

ربما لا تكون قيمة بعض اللقاءات في أنها أوصلتنا إلى ما تمنيناه، بل في أنها عرّفتنا إلى أرواح جميلة، وكشفت لنا أن الألفة قد تولد في لحظة، وأن المحبة لا تحتاج دائمًا إلى تاريخ طويل، وأن بعض الوجوه تستحق أن تبقى في الذاكرة حتى وإن لم تعد الأيام إلى جمعنا بها.

فهناك أرواح لا نملك من حكايتها إلا صفحات قليلة، لكنها تترك في القلب أثر كتاب كامل،نطوي صفحات اللقاء، ونمضي مع الأيام، ويبقى في داخلنا شيء دافئ يهمس كلما تذكرناها:
لقد كان لقاؤكم جميلًا، وإن لم تطل الحكاية.

✍🏻حصة محمد الجهني

 

 

حصه محمد الجهني

أديبة وكاتبة رأي وقاصة وشاعرة ومشرفة أقلام ناشئة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.