كُتاب الرأي

حَبَّةُ الرَمْلٍ في بلاد الحرمين

حَبَّةُ الرَمْلٍ في بلاد الحرمين

نعيشُ على أرضٌ تحملُ رسالةً، وتروي مجدًا، وتصونُ عهدًا..

فكلُّ حَبَّةِ رملٍ في بلادِ الحرمين الشريفين حكايةُ عزٍّ لا تُروى بالكلمات وحدها، بل تكتبُها مواقفُ الرجال، وتشهدُ عليها صفحاتُ التاريخ، وتحفظُها ذاكرةُ الأجيال.

هنا، حيثُ تهفو الأفئدةُ إلى مكة، وتتوقُ الأرواحُ إلى طيبة، انطلقت رسالةُ الإسلام إلى العالمين، فكان النورُ الذي بدَّد ظلمات الجهل، والهدى الذي أخرج البشريةَ من ضيق التيه إلى سعة الإيمان. وهنا، على هذه الأرض المباركة، تتعانقُ قداسةُ المكان مع عراقةِ التاريخ، ويجتمعُ شرفُ خدمةِ الحرمين مع مجدِ وطنٍ قامت دعائمه على التوحيد، وترسَّخت أركانُه بالعزم والوحدة.

إنَّ كلَّ حَبَّةِ رملٍ في أرضنا ليست ذرةً عابرةً في فضاء الصحراء، بل شاهدٌ على مسيرةِ مجدٍ، وأثرٌ من آثارِ التأسيس، ورمزٌ لوطنٍ لم تصنعْه المصادفات، بل شيَّده الإيمانُ، ووحَّدتْه العزائم، وحمته سواعدُ المخلصين، حتى غدت رايتُه عنوانًا للكرامة، واسمُه حاضرًا في ميادين النهضة والإنجاز.

هذه أرضُنا، وهذا تاريخُنا، وهذه هويَّتُنا التي لا تُساوَم؛ فمن ترابِها استمددنا الثبات، ومن تاريخِها تعلَّمنا أنَّ المجدَ لا يُوهَب، بل يُصان، وأنَّ الأوطانَ العظيمةَ لا تنحني أمام التهديدات، ولا تتراجع أمام محاولات النيل من أمنها واستقرارها.

ولأنَّنا أبناءُ أرضٍ تعرفُ معنى العزَّة، فإنَّنا لا نجهلُ معنى الوفاء ،نحبُّ وطننا في رخائه، ونزدادُ به تمسُّكًا في أوقات التحديات، ونحفظُ أمنَه بالوعي، ووحدتَه بالتلاحم، ومكتسباتِه بالعمل، ونقفُ صفًّا واحدًا في وجه كلِّ فكرٍ متطرِّف، وكلِّ عدوانٍ يستهدفُ أرضَنا أو يسعى إلى زعزعةِ أمنِنا.

لن نسمحَ للعدوِّ أن ينالَ من وطنٍ تسكنُ محبتُه في أعماقِنا، ولا أن يعبثَ بأرضٍ ارتبطت بوجدانِنا، ولا أن يزرعَ الفرقةَ بين أبناءِ شعبٍ جمعتْهم رايةُ التوحيد. لن تمنحَه مخططاتُه إلا مزيدًا من يقظتِنا، ولن تزيدَنا تهديداتُه إلا وعيًا بمسؤوليتِنا، وتمسُّكًا بوحدتِنا، وإيمانًا بأنَّ أمنَ الوطنِ أمانةٌ في أعناقِ الجميع.

لسنا دعاةَ عدوان، ولكنَّنا لا نقبلُ الاعتداء. نمدُّ أيدينا للسلام، ونحترمُ حقَّ الشعوب في الأمن والكرامة، غيرَ أنَّ حبَّ السلام لا يعني التفريطَ في الأرض، ولا أنَّ التسامحَ يجيزُ المساسَ بالحقوق. فلوطنِنا علينا حقٌّ، ولأرضِنا في أعناقِنا عهدٌ، ولرايتِنا في قلوبِنا مكانةٌ لا تزحزحُها العواصف.

يا حَبَّةَ الرملِ في بلادِ الحرمين، لستِ صغيرةً في عيونِنا؛ ففيكِ تاريخُ أمَّة، ورسالةُ دين، ومجدُ تأسيس، وحكايةُ وطنٍ يأبى إلا أن يبقى عزيزًا آمنًا شامخًا.

وإن ظنَّ عدوٌّ أنَّ اتساعَ الصحراءِ يجعلُ أرضَنا مستباحة، فليعلمْ أنَّ وراءَ كلِّ حَبَّةِ رملٍ قلبًا ينبضُ بالانتماء، ووراءَ كلِّ شبرٍ شعبًا يعرفُ قدرَ وطنِه، ووراءَ كلِّ رايةٍ تاريخًا من العزم لا تُطفئُه التهديدات.

سنظلُّ نحمي وطنَنا بالعلم والعمل، ونصونُ أمنَه بالوعي والمسؤولية، ونورِّث أبناءَنا حبَّه لا بوصفِه شعارًا يُردَّد، بل قيمةً تُعاش، وعهدًا يُحفظ، ووفاءً يتجدَّد.

فكلُّ حَبَّةِ رملٍ في بلادِ الحرمين قصةُ عزٍّ، وكلُّ شبرٍ من أرضِها أمانة، وكلُّ يومٍ في تاريخِها شاهدٌ على أنَّ الوطنَ الذي يسكنُ القلوبَ لا تنالُ منه الأعداء، ما دامَ أبناؤُه على العهدِ أوفياء.

حصة محمد الجهني

 

حصه محمد الجهني

أديبة وكاتبة رأي وقاصة وشاعرة ومشرفة أقلام ناشئة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.