الدرس الذي أبكاني

الدرس الذي أبكاني
لم أكن أعلم أنني حين أتجه إلى قاعةٍ دراسية لحضور درسٍ في مادة التفسير، ضمن خطة التنمية المهنية في مدرستنا، سأعود منها وأنا أحمل في قلبي أثرًا لا تمحوه الأيام، ودمعةً تختصر مشاعر عجزت الكلمات عن احتوائها.
كنت أنوي الحضور لدقائق معدودة، ثم أستأذن لأعود إلى أعمالي المتراكمة، فقد جئت أؤدي مهمةً مهنية، ولم أكن أعلم أنني سأجد نفسي أمام درسٍ أتمنى لو أن ساعاته تمتد إلى يومٍ كامل، وأن عقارب الساعة تتوقف قليلًا؛ كي لا ينتهي هذا الجمال.
بدأت المعلمة مقدمتها بقوةٍ آسرة، فلم تكن كلماتٍ تمهيدية عابرة، بل كانت مدخلًا إلى الروح قبل العقل، وجسرًا عبرت عليه المعاني إلى أعماقنا.
ربطت الدرس بحب الوطن، ورفعت الدعاء بأن يحفظ الله وطننا، ثم انطلقت في دعائها، فشعرنا أن الدعاء لم يكن كلماتٍ تُقال، بل رجاءً صادقًا تتواطأ عليه القلوب، وتؤمِّن عليه الأرواح قبل الألسنة.
في تلك اللحظة، أدركت أن بعض المقدمات لا تهيئ المتعلمة للدرس فحسب، بل تهيئ الإنسان للقاء نفسه، وتوقظ في داخله معاني ربما غطّاها ضجيج الحياة.
ثم بدأت رحلتنا مع بعض آيات سورة الحجر، آيةً آية، ومعنىً إثر معنى، بمشاركة طالباتها، في مشهدٍ تجلّت فيه حيوية التعلم وجمال التفاعل.
توقّفنا عند النعيم الذي وعد الله به عباده المتقين، وعند قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِين)
ردّدت المعلمة الآية بصوتٍ يلامس شغاف القلب، وكأنها لا تريد لحروفها أن تعبر أسماعنا فحسب، بل أن تستقر في أعماقنا.
أعادت تلاوتها مرةً بعد مرة، وفي كل مرة كان للآية وقعٌ مختلف، حتى خُيّل إليّ أن المعنى يتكشف لنا من جديد، وأننا لا نستمع إلى آيةٍ تصف نعيم الجنة فحسب، بل نقف أمام أمنيةٍ تتوق إليها كل روح ،أن تبلغ يومًا من الصفاء حتى لا يبقى في صدرها غِلّ، ولا يستوطن قلبها حقد، ولا تثقل روحها خصومة.
ثم باغتتنا بسؤالٍ قصير، لكنه كان أعمق من أن يُجاب عنه بكلماتٍ عابرة!!
«ما الشعور الذي شعرتن به؟»
يا الله! كم كان السؤال جميلًا في بساطته، عميقًا في أثره!
لم تسألنا،ما معنى الآية؟ ولا طلبت منا أن نستخرج مفرداتها أو نعدّد ما تدل عليه ،بل أرادت أن تعرف ،ماذا فعلت الآية بقلوبنا؟ ماذا حرّكت في أرواحنا؟ وأيُّ شعورٍ أيقظته في داخلنا؟
في تلك اللحظة، لم يعد الدرس تفسيرًا يُتلقّى، بل تجربةً تُعاش !لم تعد الآية نصًّا نبحث عن معناه، بل معنى نبحث عن أثره فينا.
فأيُّ نعيمٍ أعظم من قلبٍ لا يحمل حقدًا، وصدرٍ لا تضيق مساحاته بالضغينة، وروحٍ لا تستثقل نجاح الآخرين، ولا تؤلمها أفراحهم؟
كم نحتاج أن نتأمل هذه الآية في تفاصيل حياتنا، في علاقاتنا، وفي أحكامنا على الآخرين!
كم نحتاج أن نطهّر قلوبنا من عتبٍ طال أمده، ومن خصومةٍ استنزفت أرواحنا، ومن مشاعر لا تزيدنا إلا ثقلًا!
لم يكن التفسير يومها شرحًا لمعنى الآية فحسب ! لقد كان سؤالًا خفيًّا يطرق أبواب قلوبنا،
ماذا نحمل في صدورنا؟ وهل نحن مستعدون لأن ننزع منها ما لا يليق بقلوبٍ ترجو لقاء الله
قد كان ذلك كله بعد أن مضت بنا المعلمة إلى قصة آدم عليه السلام، وإلى عداوة الشيطان للإنسان، ووسائله في الإغواء والتزيين، وكيف يتسلل إلى النفس من أبوابها، مستغلًّا غفلتها وضعفها، حتى يزيّن لها الباطل في صورة الحق، والخطأ في صورة الصواب.
هناك، لم نعد نستمع إلى قصةٍ من الماضي، بل صرنا نرى ملامح الصراع الإنساني المتجدد بين الهداية والغواية، وندرك حاجتنا الدائمة إلى اليقظة، ومحاسبة النفس، والاستعانة بالله على نزغات الشيطان.
كان الدرس يأخذنا من معنى إلى معنى، ومن آية إلى أخرى، حتى وصل بنا إلى تلك الغاية التي تتوق إليها كل روحٍ مؤمنة ،القلب السليم.
وأيّ رحلةٍ أجمل من رحلةٍ تنتهي بك إلى قلبك؟
ذلك القلب الذي لا يكتمل صلاحه بكثرة ما يعرف فحسب، بل بما يُثمره علمه من خشيةٍ لله، وسلامةٍ في الصدر، واستقامةٍ في السلوك، ورحمةٍ بالخلق.
لقد شعرت أن الدرس لم يكن موجهًا إلى الطالبات وحدهن!فقد كنا جميعًا طالباتٍ في حضرة القرآن، نتعلم، ونتأمل، ونراجع أنفسنا، ونكتشف أن الآيات التي نقرؤها مرارًا قد تفتح لنا أبوابًا جديدة كلما أقبلنا عليها بقلوبٍ حاضرة.
وجاءت الخاتمة بسؤال المعلمة:
ماذا استفدتن من الآيات؟
سؤالٌ كان أعمق من أن يُختزل في إجاباتٍ تُقال ثم تُنسى ،لأنه ينقل المتعلمة من استظهار المعلومة إلى استشعار أثرها، ومن معرفة المعنى إلى البحث عن موضعه في حياتها.
فما قيمة درسٍ نخرج منه كما دخلنا؟ وما جدوى علمٍ لا يوقظ فينا رغبةً في الإصلاح، ولا يترك في نفوسنا أثرًا، ولا يغيّر في سلوكنا شيئًا؟
إن الدرس العظيم ليس ما يملأ دفاترنا بالمعلومات فحسب، بل ما يترك في أرواحنا أثرًا، ويجعلنا نرى أنفسنا والعالم من حولنا بوعيٍ أعمق، وإيمانٍ أصدق، وقلوبٍ أكثر سلامًا.
لقد جئت أحضر درسًا، فإذا بي أحضر لحظةً تربويةً وإنسانيةً استثنائية.
جئت أستثمر دقائق من وقتي، فإذا بالدرس يستثمر لحظةً من عمري، ويمنحني مساحةً للتأمل وسط ازدحام الأعمال والمسؤوليات.
وجئت بصفة زميلةٍ تتابع تجربةً تعليمية، فإذا بي أخرج بقلب متأثر، وامتنانٍ لمعلمةٍ أدركت أن رسالتها أكبر من إنهاء محتوى المقرر، وأن وراء كل آيةٍ معنى يستحق أن يُعاش، ووراء كل طالبةٍ قلبًا ينتظر من يوقظه إلى الخير.
لقد أبكاني الدرس، لا لأن الحزن كان حاضرًا فيه، بل لأن بعض المعاني حين تبلغ القلب بصدق، توقظ فيه ما غفل عنه، وتعيد ترتيب أولوياته، وتجعله يرى النعم التي اعتادها، والمسؤوليات التي يحملها، والحاجة التي لا تنقطع إلى الله.
وفي زمنٍ تتسارع فيه الأيام، وتتزاحم فيه المهام، نحتاج إلى دروسٍ تعيدنا إلى ذواتنا، وإلى معلماتٍ لا يكتفين بإيصال المعرفة، بل يصنعن من المعرفة أثرًا، ومن الآية حياةً، ومن الحصة موقفًا يبقى في الذاكرة.
شكرًا لزميلتي المعلمة ، عائشة الجهني ،فقد منحتني درسًا لم أكن أتوقعه، وأثرًا لم أكن أبحث عنه، وذكرى سأحملها طويلًا.
شكرًا لكل معلمةٍ تؤمن بأن رسالتها لا تنتهي عند آخر سطرٍ في الكتاب، بل تبدأ حين تستقر المعرفة في العقل، وتلامس المعاني القلب، وتتحول الآيات إلى نورٍ يهدي الطريق.
أما أنا، فقد دخلت الدرس وأنا أفكر في الأعمال التي تنتظرني خارجه، وخرجت وأنا أفكر في العمل الذي ينتظر قلبي من الداخل.
فبعض الدروس تنتهي بانتهاء الحصة، وبعضها يبدأ أثره حين تنتهي الحصة… وهذا كان درسًا لم أُرِد له أن ينتهي.
✍🏻حصة محمد الجهني




شكرا لمرورك وتعليقك الراقي والدة ابنتنا الحبيبة غلا ..
ماشاء الله تبارك الله….
أستاذتنا الفاضلة حصة، قرأت مقالكِ بكل إعجاب؛ كلماتكِ جميلة وصادقة، وتجربة حضورك حصة للمعلمة عائشة تضيف له عمقًا ومعنى. أبدعتِ في التعبير، وقدّمتِ لنا فكرة ملهمة بأسلوب راقٍ يلامس القلب. شكرًا لكِ على هذا المقال القيّم، وعلى ما تشاركيننا به من خبرة وحكمة.والشكرموصول للمعلمة عائشة الجهني على عطائها الذي جعل من كل كلمة درسًا جميلًا وذكرى لاتنسى. دُمْتُنَّ متألقات ومُلهمات.