كُتاب الرأي

حين يصبح حضورك حقًا مكتسبًا للآخرين

حين يصبح حضورك حقًا مكتسبًا للآخرين

أماني بنت عبدالله البهكلي

ثمة أشخاص يدخلون حياتنا وكأنهم عثروا على موردٍ طبيعي لا ينضب، يأخذون من الوقت ما يشاؤون، ومن الاهتمام ما يكفيهم، ومن الصبر ما لا يستطيعون تقديم نصفه، ثم يمضون مطمئنين إلى أن هذا المورد سيظل متاحًا متى احتاجوا إليه، دون أن يخطر ببال أحدهم أن للقلوب مواسم جفاف، وأن الإنسان الذي اعتاد الجميع الاستناد إليه قد يحتاج يومًا إلى كتفٍ يستند إليه هو الآخر، لكن المفارقة أن أكثر الناس اعتيادًا على عطائنا قد يكونون أقلهم استعدادًا لتخيّل حاجتنا.
 
لا تبدأ الحكاية عادةً بظلم واضح، بل بتفاصيل صغيرة تبدو بريئة، اتصال نؤجّل من أجله انشغالنا، عذر نلتمسه لمن لا يلتمس لنا عذرًا، مناسبة نحفظها بينما تمر مناسباتنا دون التفات، ومبادرات تتكرر حتى تفقد صفتها الاختيارية، وتصبح واجبًا غير مكتوب، ثم نكتشف أننا لم نعد نقدم المعروف لأننا نريده دائمًا، بل لأن الآخرين اعتادوه، ولأن التوقف عنه سيجعلنا فجأة موضع مساءلة، كأن الاستمرار في الإحسان عقدٌ وقّعناه دون أن نقرأ شروطه.
 
والأغرب أن بعض العلاقات لا تنهار حين نقلل عطاءنا، بل تنكشف، فالشخص الذي كان يصفنا بالقرب والوفاء قد يتهمنا بالتغيّر لمجرد أننا لم نعد متاحين في كل ساعة، والذي اعتاد أن يجدنا عند أول إشارة منه يستغرب أن تكون لنا حياة لا تدور حول احتياجاته، وهنا تظهر حقيقة تستحق التأمل، بعض الناس لا يفتقدوننا حين نغيب، بل يفتقدون الامتيازات التي كانت تأتي مع حضورنا.
 
ومع ذلك، سيكون من القسوة أن نحوّل العلاقات إلى دفاتر حسابات، نحصي فيها الرسائل والمكالمات والمجاملات، ونطالب الآخرين بإعادة كل شعور بالمقدار نفسه، فالمحبة ليست تجارة بالمقايضة، والوفاء لا يُقاس بعدد المرات التي ردّ فيها أحدهم الجميل، وقد يمر إنسان نحبه بظرف يجعله عاجزًا عن العطاء، بينما نملك نحن قدرة أكبر على احتوائه، وهذا ليس استنزافًا بالضرورة، لأن التوازن العاطفي لا يعني التساوي الحسابي، بل يعني أن تكون العلاقة عادلة في جوهرها، حتى وإن اختلفت أدوار الطرفين باختلاف الظروف.
 
الفارق الحقيقي يكمن في النية والاستمرارية، بين شخصٍ لا يستطيع أن يمنحك اليوم لكنه يتمنى لو استطاع، وآخر يستطيع ولا يرى سببًا يدعوه إلى المحاولة، بين من يشعر بتعبك ولو عجز عن تخفيفه، ومن لا يلاحظ تعبك أصلًا إلا حين يتوقف ما كنت تقدمه له، فالاهتمام ليس دائمًا فعلًا كبيرًا، أحيانًا يكفي أن يتذكر أحدهم أنك موجود خارج أوقات حاجته، وأن يسألك سؤالًا لا يتبعه طلب.
 
أما داخل العائلة، فتزداد المسألة تعقيدًا، لأن المحبة تختلط بالواجب، والواجب بالعادات، والعادات بتوقعات يصعب الاعتراض عليها، وقد يجد أحد أفراد الأسرة نفسه مسؤولًا عن مشاعر الجميع، يصلح الخلافات، ويتحمل الانفعالات، ويبتلع ضيقه حرصًا على سلام الآخرين، حتى يصبح الشخص الذي لا يُسمح له بالتعب، لا لأن أحدًا قرر حرمانه من الراحة، بل لأن الجميع اطمأن إلى قوته، وهذه واحدة من أكثر صور الإنهاك هدوءًا، أن يُساء فهم قدرتك على الاحتمال باعتبارها عدم حاجتك إلى الاحتواء.
 
لكن استعادة التوازن لا تستلزم إعلان القطيعة، ولا كتابة بيان طويل نخبر فيه العالم أننا تغيرنا، فقد تبدأ من تصرف أكثر بساطة، ألا نجيب ونحن منهكون، وألا نعتذر عن حدودٍ مشروعة، وأن نترك للآخرين فرصة المبادرة بدلًا من إنقاذ كل صمت، وأن نتعلم قول «لا أستطيع» دون تقديم مرافعة دفاعية تثبت حسن نوايانا، فليس من الضروري أن نخسر طيبتنا لكي نحمي أنفسنا، ولا أن نصبح باردين حتى نثبت أننا لم نعد قابلين للاستنزاف.
 
وربما كانت أصعب مراحل النضج العاطفي هي الاعتراف بأننا شاركنا، دون قصد، في صناعة بعض هذه الاختلالات، حين بالغنا في الحضور خوفًا من الفقد، أو أخفينا احتياجاتنا ثم غضبنا لأن الآخرين لم يكتشفوها، أو ظننا أن المزيد من العطاء سيجعل العلاقة أكثر عمقًا، بينما الحقيقة أن بعض العلاقات لا تحتاج مزيدًا من التضحية، بل تحتاج مصارحةً تمنح الطرف الآخر فرصة أن يعرف ما نحتاجه، ثم نراقب ما تفعله الأفعال بعد أن تنتهي الكلمات.
 
ليس المطلوب إذن أن نبحث عن أشخاص يشبهوننا تمامًا، فالقلوب لا تتطابق، وطرائق التعبير عن المحبة تختلف، وإنما أن نقترب ممن يعترفون بوجودنا كأشخاص كاملين، لنا أفراحنا وأثقالنا وأيامنا التي لا نملك فيها ما نعطيه، ممن لا تتبدل مكانتنا عندهم كلما قلّت خدماتنا، ولا تصبح محبتهم مشروطة ببقائنا في موقع المانح الدائم.
 
في النهاية، ليست أجمل العلاقات تلك التي لا نتعب فيها أبدًا، بل تلك التي لا نخشى أن نظهر فيها متعبين، حيث لا يكون عطاؤنا تصريحًا مفتوحًا لاستهلاكنا، ولا تكون حاجتنا إلى الاهتمام دليل ضعف، وحيث نستطيع أن نمنح بحب، ونتراجع بطمأنينة، ونعود دون أن نشعر بأن علينا تعويض أحد عن غيابنا.
 
فالكرم الحقيقي أن تعطي من قلبك، أما العدالة مع نفسك، فهي ألّا تنسى أن لهذا القلب حقًا في العطاء أيضًا.
 

كاتبة رأي

أماني عبدالله البهكلي

أديبة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.