كُتاب الرأي

حين تكون الرقة شقيقة القوة

حين تكون الرقة شقيقة القوة

ثمة نساء لا تستطيع أن تختصرهن في صفة، كلما ظننت أنك أحطت بشيء من شخصياتهن، اكتشفت بابًا آخر لم تفتحه، لا لأنهن يتعمّدن الغموض، بل لأن الإنسان أوسع من أن تسعه صفة واحدة، ولأن بعض النساء يمتلكن تلك القدرة النادرة على الجمع بين ما اعتاد الناس أن يضعوه في طرفين متقابلين، الرقة والصلابة، الحنان والحزم، العاطفة والعقل، وكأن الطبيعة أرادت أن تثبت من خلالهن أن الأشياء الجميلة لا يلزم أن تكون هشّة.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في هذه المرأة أنها لا تحتاج إلى إعلان قوتها، ولا إلى استعارة القسوة كي تثبت استقلالها، إنها تعرف متى تمنح الأشياء قلبها، ومتى تمنحها عقلها، ومتى يكون الصمت أبلغ من الكلام، ومتى يصبح الكلام واجبًا لا يجوز تأجيله، تستطيع أن تبكي دون أن تشعر بالهزيمة، وأن ترفض دون أن تشعر بالذنب، وأن تحب دون أن تتنازل عن حقها في أن تكون نفسها.
لقد ارتكبنا ظلمًا طويلًا بحق الرقة حين جعلناها مرادفًا للضعف، وبحق القوة حين تخيلناها خالية من الحنان، حتى صار بعض الناس يتعامل مع المرأة اللطيفة كما لو كانت قابلة للتجاوز، ومع المرأة الحازمة كما لو أنها فقدت شيئًا من أنوثتها، والحقيقة أن الخلل ليس في المرأة التي تجمع النقيضين، بل في عقول لا تتسع إلا لصورة واحدة في كل مرة.
تلك المرأة قد تبتسم في وجه من يختلف معها، لا لأنها عاجزة عن المواجهة، بل لأنها لا ترى في كل اختلاف معركة تستحق أن تخوضها، وقد تصرّ على موقفها رغم اعتراض الجميع، لا عنادًا ولا رغبة في الانتصار، بل لأنها تعرف أن التنازل عن الرأي ليس فضيلة لمجرد أنه تنازل، وأن السلام الذي يُشترى بخسارة الذات ليس سلامًا، وإنما هدنة طويلة مع النفس.
وإذا جلست إليها أدركت أن الثقافة ليست عدد الكتب التي قرأتها، ولا المفردات التي تستطيع أن تستعرضها في مجلس، بل الطريقة التي تنظر بها إلى العالم، قدرتها على الإنصات قبل الحكم، وعلى السؤال قبل الاعتراض، وعلى مراجعة أفكارها دون أن ترى في ذلك انتقاصًا من عقلها، فهي لا تخجل من قول «لا أعلم»، لأن المعرفة الحقيقية لا تبدأ بادعاء الإحاطة بكل شيء، بل بالاعتراف بأن العالم أكبر من معلوماتنا عنه.
ولا يعني هذا أنها امرأة لا تخطئ، أو أنها تملك جوابًا لكل سؤال، بل لعل أجمل ما فيها أنها لا تدّعي الكمال، تغضب أحيانًا، وتتردد أحيانًا، وقد تتخذ قرارًا ثم تكتشف أنه لم يكن صائبًا، لكنها لا تجعل الخطأ هوية دائمة، ولا تتعامل مع الاعتذار كأنه انكسار، ففي داخلها قدر من التصالح يسمح لها بأن تكون إنسانة، لا تمثالًا أنيقًا وضعه الآخرون على رف الإعجاب، ثم طالبوه بألّا يتحرك.
أما الحب في عالمها، فليس بابًا تخرج منه تاركة عقلها عند العتبة، إنها تحب بعاطفة صادقة، لكنها لا تعتبر الذوبان دليلًا على الإخلاص، ولا ترى في إلغاء المسافة بين شخصين اكتمالًا للعلاقة، تعرف أن المودة لا تحتاج إلى محو الحدود، وأن أجمل القرب ما ترك لكل طرف مساحة يتنفس فيها، ولذلك فإن حضورها لا يزدحم بالمطالب، ولا يخلو من التوقعات، إنها تريد علاقة تستطيع فيها أن تكون محبوبة ومحترمة في الوقت نفسه.
وليس من الإنصاف أن نطالبها باللطف في كل حال، كأن الرقة وظيفة دائمة لا يحق لصاحبتها الاستراحة منها، فالمرأة التي تمنح الآخرين الأمان تحتاج هي أيضًا إلى من يطمئنها، والتي تحسن الإصغاء تتمنى أن تجد من يصغي إليها، والتي تتقن احتواء المواقف قد تمر عليها أيام لا تريد فيها سوى أن تجد قلبًا رحبًا يحتمل ارتباكها، دون أن يسألها مستغربًا، أين ذهبت قوتك؟
وربما هنا تكمن المفارقة، إننا نُعجب بالمرأة القوية ما دامت قوتها في خدمتنا، وبالمرأة الرقيقة ما دامت رقتها لا تضع لنا حدودًا، فإذا قالت الأولى «لا»، أو اختارت الثانية نفسها، فوجئنا بأن لها إرادة مستقلة عن توقعاتنا، وكأن الإعجاب الذي منحناه لها كان مشروطًا بأن تبقى النسخة التي تريحنا، لا الإنسانة التي يحق لها أن تختلف عنا.
إن الرقة الحقيقية لا تقف على الضفة الأخرى من القوة، بل تسير معها، كغصن يعرف كيف ينحني للريح دون أن ينسى جذوره، وكزهرة لا تحتاج إلى أشواك ظاهرة كي تستحق ألّا تُقطف.
ولعل المرأة الاستثنائية ليست تلك التي تمتلك كل الفضائل، ولا التي تنجح دائمًا في إرضاء من حولها، وإنما التي استطاعت أن تصنع من صفاتها المتباينة شخصية واحدة لا تتنكر لأي جزء منها، تظل لطيفة حين تختار اللطف، وحازمة حين يستدعي الأمر الحزم، لا تتباهى باستقلالها، ولا تعتذر عنه.
فليست كل رقة قابلة للكسر، ولا كل قوة بحاجة إلى أن تكون قاسية، وبعض النساء أجمل ما فيهن أن القلب والعقل لا يتنازعان على قيادتهن، بل يتعلمان كيف يسيران معًا.

أماني بنت عبدالله البهكلي 

كاتبة رأي

أماني عبدالله البهكلي

أديبة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.