كُتاب الرأي
كيف كبرت السعودية في قلوبنا؟🤍🇸🇦💚

كيف كبرت السعودية في قلوبنا؟🤍🇸🇦💚
لم يكن طفل الثمانينات والتسعينات يعرف كيف يكتب تعريفًا للوطن، لكنه كان يعرف أين يطمئن، ولمن يلوّح بيده الصغيرة حين يظهر العلم، ولماذا يستقيم فجأة عندما يسمع النشيد، كأن شيئًا أكبر من عمره يناديه باسمه، كانت السعودية تدخل قلبه قبل أن تدخل موضوع التعبير، وتجلس فيه على مهل، بين صوت أبيه ودفتره المدرسي ورائحة البيت.
ولعل أجمل ما في تلك المحبة أنها بدأت قبل امتلاك الكلمات، فلم نكن نسأل كل صباح كيف نصبح وطنيين، كنا نذهب إلى المدرسة، نعود إلى أهلنا، نختلف على مقعد السيارة، وننتظر زيارة الأقارب، وفي أثناء هذه الحياة العادية كانت البلاد تتكوّن داخلنا، شارعًا بعد شارع، ووجهًا بعد وجه، حتى صار اسمها يشبه أسماء الذين نحبهم.
في المدرسة، كان للوطن موعد صباحي، نقف في الطابور، بعضنا يقاوم النعاس، وبعضنا يحاول تعديل حقيبته على كتف نحيل، ثم يبدأ النشيد فتلتقي الأصوات، منها الواثق ومنها الخافت ومنها الذي يسبق الآخرين بحماسة، لم نكن نفهم كل المعاني بالقدر نفسه، لكننا كنا نشعر بأننا ننتمي إلى هذا الجمع، وأن أصواتنا الصغيرة تجد مكانها فيه.
وفي دفاتر التعبير، كنا نكتب عن الوطن بعبارات أكبر من قدرتنا على الشرح، نعدّد مدنه وخيراته، ونرسم علمه، ونعتني بالأخضر كأن سلامة اللون مسؤولية شخصية، قد تبدو تلك الصفحات اليوم بسيطة، وربما متشابهة، لكن يد الطفل التي تتعب وهي تلوّن حدود بلاده كانت تتدرّب، بطريقتها، على أن تمنح شيئًا من وقتها لما تحب.
أما في البيت، فكان الدرس أقل مباشرة وأكثر بقاء، نسمع الدعاء لهذه البلاد بالأمن، ونرى الأب يصغي إلى خبر يخصّها، والأم تحمد الله على نعمة قد نمرّ نحن بها دون انتباه، كنا نلتقط من نبراتهم ما يتجاوز الكلام، ونفهم بالتدريج أن استقرار المكان يدخل في طمأنينة أهله، وأن بعض النعم تسكن الحياة حتى تبدو جزءًا طبيعيًا منها.
وكانت خريطة السعودية تتسع كلما اتسعت معرفتنا بالناس، قريب يعود من الرياض، أسرة تستعد للسفر إلى جدة، حكاية عن برد الشمال، وأخرى عن مطر الجنوب، مدينة نعرفها من عنوان رسالة، ومدينة نحبها لأن شخصًا عزيزًا يقيم فيها، هكذا كانت المسافات تكتسب وجوهًا، ويصبح للوطن أقارب في كل جهة، حتى قبل أن نزور تلك الجهات بأنفسنا.
وعلى مقعد السيارة، كان لنا درس آخر، طريق طويل، ولوحات نقرأ أسماءها بصعوبة، ومحطة ننزل عندها لنمدّ أرجلنا، ثم نكمل، كانت المسافة تمنح البلاد حجمًا محسوسًا، فنكتشف أن السعودية أوسع من حيّنا ومدرستنا، وأن وراء الأفق بيوتًا أخرى، وأطفالًا يفتحون دفاترهم مثلنا، وينتظرون الإجازة، ويظنون أن شارعهم الصغير هو مركز العالم.
حتى التلفاز كان يشارك في هذه الألفة، بما يمرّ على شاشته من أخبار وصور ومدن ووجوه، نرى مكانًا لم نزره فنضيفه إلى مخيلتنا، ونسمع لهجة تختلف قليلًا عن لهجتنا فتثير فضولنا، لم تكن معرفتنا واسعة، وكانت تنقصها أشياء كثيرة، لكن نافذتنا المحدودة كانت تفتح في القلب مساحة لبلاد أكبر من التجربة اليومية التي نعرفها.
ولطفلة تلك السنوات ذاكرتها أيضًا، حصة ترسم فيها بيتًا وعلمًا، معلمة تمنحها دورًا في نشاط مدرسي، أم تحفظ شهادتها، وأب يسألها ماذا تريد أن تصبح، كانت تتعلم حب السعودية وهي تتعلم أن لها مستقبلًا فيها، وكلما وجدت من يأخذ حلمها الصغير بجدية، اتسعت صلتها بالمكان، وصار الغد الذي تتخيله جزءًا من معنى الوطن.
ومع ذلك، لا تحتاج الذاكرة إلى تجميل كل شيء كي تحتفظ بالمحبة، فقد عرفنا الملل من بعض الدروس، وحفظنا أحيانًا ما لم نفهمه، وتمنينا طرقًا أرحب للسؤال والتعبير، والاعتراف بهذا يمنح الحنين صدقه، فمن حق الطفولة أن نتذكرها كما كانت، بدفئها ونقصها، ومن حق الأجيال التالية أن ترث المحبة ومعها فرصة لتجربة أغنى.
حين كبرنا، تغيّرت أسئلتنا، وصار حب السعودية يحتاج منّا إلى أفعال تناسب أعمارنا، إلى إتقان العمل، واحترام الناس، والمحافظة على الممتلكات العامة، والصدق في الكلمة التي نقولها عنها، أدركنا أن العاطفة التي بدأت في الطابور الصباحي يمكن أن تنضج في مكتب وورشة وفصل دراسي، وأن خدمة المكان تمنح المحبة أثرًا يراه الآخرون.
وربما لهذا يصعب علينا شرح البدايات بدقة، فلا أحد يستطيع تحديد اللحظة التي صار فيها البيت عزيزًا، أو اليوم الذي اكتسب فيه صوت أمه تلك القدرة على تهدئته، كذلك السعودية في قلوب كثيرين من أطفال الثمانينات والتسعينات، عرفناها أولًا كما يعرف الطفل أهله، ثم كبرنا ونحن نكتشف أسبابًا جديدة للامتنان، ومسؤوليات جديدة تجاهها.
واليوم، إذا سألنا كيف نعلّم أطفالنا حب الوطن، فلنفتّش أيضًا في التفاصيل التي نصنعها حولهم، في عدل المعلم، وأمان الشارع، واحترام أحلامهم، وفي الطريقة التي نخدم بها بلادنا أمام أعينهم، سيحفظون الكلمات، بلا شك، لكنهم سيحملون معهم ما عاشوه، كما حملنا نحن تلك الصباحات البعيدة، يوم كانت السعودية تسكننا، ولم نكن نعرف بعد اسم الحب.