مقعد النافذة

مقعد النافذة
لماذا نريده جميعًا؟
أماني بنت عبدالله البهكلي
في الطائرة، حيث تتشابه المقاعد حتى يكاد المرء يظن أن البشر صُنعوا بمقاسات الحقائب، تقع معركة صامتة على مقعد النافذة، ولا يعلن أحد أسبابها كاملة، فمنهم من يتذرّع بالضوء، ومنهم من يحب تصوير الغيم، ومنهم من لا يطيق أن يكون محصورًا بين كتفين، غير أن صاحب المقعد إذا ظفر به، استقر إلى الزجاج في سكينة المنتصر، كأنما أُقطعت له قطعة من السماء لا ينازعه فيها أحد.
وما النافذة، إذا أنصفناها، إلا مستطيل محدود لا يَعِد صاحبه بشيء، فقد يرى من ورائها جناح طائرة، أو سورًا طويلًا، أو أرضًا جرداء لا تزعم لنفسها جمالًا، ومع ذلك نختارها ونُقبل عليها إقبال من ينتظر خبرًا، فإذا قيل لنا: وماذا ستشاهد؟ أجبنا: لا أدري، ثم شعرنا أن هذا الجواب وحده كافٍ، فكأننا نريد نافذة لا منظرًا، واحتمالًا لا نتيجة.
وللنافذة فضل لا يعرفه الجالس في وسط الصف، إنها تمنح العين عملًا شريفًا حين يعجز اللسان عن احتمال الحديث، فمن أراد الانسحاب من ثرثرة عابرة لم يحتج إلى الاعتذار أو اصطناع النعاس، حسبه أن يميل قليلًا نحو الخارج، فيصير تأمله العميق في عمود كهرباء شهادة على انشغاله بأسرار الكون، ولئن سأل جاره عمّا يرى، فلا بأس أن يقول: «الطريق»، فالطريق جواب واسع يتّسع حتى للصمت.
وقد نضحك من الراكب الذي يلاحق بعينيه الأشجار المتشابهة، لكننا لا نعرف ما الذي يراه حقًّا، فثمة من يعد المسافات، ومن يسترجع بيتًا ابتعد عنه، ومن يراقب مدينة تنكمش خلفه كما تنكمش عاطفة لم يجد لها اسمًا، وقد تعبر أمامه نافذة بيت مضاءة، فيخترع لأهلها حكاية كاملة في ثانيتين، ثم يفقدهم عند المنعطف، دون أن يدري أولئك المطمئنون أن غريبًا منحهم حياة أخرى ومضى.
على أن سحر مقعد النافذة لا يقتصر على السفر، ففي المقهى نختار الطاولة المطلة على الشارع ولو كانت أقل راحة من سواها، ونرى الناس يعبرون محمّلين بأكياسهم وهمومهم، ونتظاهر بأننا نقرأ كتابًا فيما عيوننا تقفز من الصفحة إلى الرصيف، وربما لم يحدث شيء يستحق الذكر، سوى رجل أضاع موقف سيارته، أو قطة توقفت أمام باب مغلق، غير أن هذه التفاصيل الصغيرة تنقذ الساعة من شعورها الثقيل بأنها تتكرر.
والغريب أننا إذا سُئلنا عن يومنا قلنا: لم يحدث شيء، مع أننا شهدنا عشرات الأشياء التي لا تُكتب في الأخبار، ظل شجرة انتقل ببطء، يدًا لوّحت من سيارة، غيمة أخطأت هيئة قلب ثم استقامت سمكة، ومارًّا أسرع خطاه حين بدأت السماء تمطر، لعل النافذة تعلّمنا درسًا لا يدرّسه الانشغال، أن العالم لا يتوقف عن الحدوث لمجرد أننا لا نجد فيه حدثًا عظيمًا نحكيه.
وفي الليل تنقلب الحيلة على صاحبها، إذ يضع الظلام على الزجاج مرآة خافتة، فيجلس المرء يريد الهرب إلى الخارج، فإذا به يلقى صورته، يراها متعبة أو شاردة أو مبتسمة بغير سبب، فيكتشف أن بعض النوافذ تردنا إلينا كلما حاولنا الابتعاد، وكأن الرحلة التي ظنناها بين مدينتين تجري أيضًا بين خاطر نكتمه وخاطر نجرؤ على الاعتراف به، وهل ثمة مسافة أطول من تلك التي تفصلنا عن أنفسنا؟
وليس كل من طلب النافذة محبًّا للعزلة، فقد يحب المرء الناس ويحتاج مع ذلك إلى فسحة لا يطالبه فيها أحد بالرد، زاوية يملك فيها حق النظر دون أن يُنظر إليه، وربما كان فيها شيء من رغبة قديمة في أن تتسع الحياة عما يحيط بنا، فالطفل الذي وقف يومًا على أطراف أصابعه ليرى فوق السور لا يختفي تمامًا حين يكبر، إنما يشتري تذكرة، ويطلب بأدب: هل مقعد النافذة متاح؟
وقد يقول قائل، وفي قوله بعض الحق، إن مقعد الممر أرحم بالساقين، وأقرب إلى الحرية، وإن النافذة قد تحبس صاحبها خلف مسافر نائم، فنوافقه على الحساب ونخالفه في الهوى، لأن الناس لا يختارون مقاعدهم بالمنافع وحدها، وفي كل واحد منا ميل قديم إلى حافة الأشياء، إلى موضع نشارك فيه العالم بأصواته وأسئلته دون أن نضطر إلى النزول إليه.
قد لا يكون وراء الزجاج منظر يستحق التصوير، وقد تمر الرحلة كلها تحت سماء رمادية، لكن العين تظل معلقة به، لأننا لا نبحث دائمًا عما يستحق المشاهدة، بل عن شيء يسمح لنا بأن نرى دون غرض، وأن نتخيل دون حساب، وأن نترك أفكارنا تسير مسافة لا تقطعها الأقدام، ولهذا يبدو مقعد النافذة أحيانًا أوسع من المقعد نفسه، إنه المساحة الصغيرة التي تتسع لكل ما لم نقله.
وإذا عاد أحدنا من السفر وسُئل عمّا رآه، فقد ينسى السحاب والحقول والبيوت، لكنه يتذكر ذلك الإحساس الهادئ بأنه كان حاضرًا في مكان، وغائبًا عنه قليلًا، يحمله المقعد إلى وجهته وتحمله النافذة إلى نفسه، وربما لهذا نختارها كل مرة، لا لأن الخارج يعدنا بمشهد مختلف، بل لأننا نتمنى، في سرّنا، أن نعود من النظر إليه بنظرة مختلفة.
كاتبة رأي