الأحزاب بين الأمس واليوم

الأحزاب بين الأمس واليوم
دروس الثبات والأخذ بالأسباب
الدكتور عصام يحيى الفيلالي
مقدمة: سنن الابتلاء والفرج
تتكرر في حياة الأمم صورٌ من الشدائد، وإن اختلفت أسبابها وأزمانها. ومن المحطات التي تحمل للمسلمين دروسًا في الصبر والثبات والأخذ بالأسباب غزوة الأحزاب، أو غزوة الخندق، حين اجتمعت قوى متعددة لحصار المدينة، واشتد البلاء على المسلمين.
وقد عرض القرآن الكريم جانبًا من تلك المحنة، وما كشفته من تفاوت مواقف الناس بين الثبات والاضطراب. ومن هنا تبرز أسئلة نافعة: كيف واجه المسلمون الخطر؟ وما الأسباب التي اتخذوها؟ وما الدروس التي يمكن أن نستخلصها اليوم من غير أن نساوي بين أحداث تاريخية متباينة؟
حال المسلمين في غزوة الأحزاب
اجتمعت على المسلمين قوى من قريش وغطفان وغيرها، وسارت إلى المدينة بقصد قتالهم. فاستشار النبي ﷺ أصحابه، وأخذ برأي سلمان الفارسي رضي الله عنه في حفر الخندق، واتخذ المسلمون بذلك سببًا دفاعيًا يناسب الموقف. وطال الحصار واشتد الخوف والجوع، حتى وصف القرآن حال المؤمنين بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 9-11].
لم يكن الخوف في تلك الظروف أمرًا مستغربًا؛ فالقرآن يصف شدة المحنة، ويبيّن أن الابتلاء كشف مواقف الناس. وفي المقابل، عبّر المؤمنون عن ثقتهم بوعد الله، فقال تعالى:
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].
وتُظهر الآية أن المؤمنين رأوا في الشدة تحقيقًا لما أُخبروا به من ابتلاء، فازدادوا إيمانًا وتسليمًا. ولم يكن ذلك إعراضًا عن الخطر أو تركًا للعمل؛ فقد واصلوا الثبات واتخاذ الأسباب، مع اعتمادهم على الله.
أما المنافقون والذين في قلوبهم مرض، فقد اتخذ بعضهم من الخوف ذريعةً للتراجع، كما قال تعالى:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 12-13].
كيف انكشف الحصار؟
لم تقع مواجهة حاسمة تنتهي بها المعركة على صورة القتال المفتوح؛ فقد صمد المسلمون، وردّ الله الأحزاب عن المدينة. ويذكر القرآن إرسال الريح وجنودٍ لم يروهم، من غير أن يسمّيهم في الآية. قال تعالى:
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25].
وتُبرز الآية أن الفرج جاء من عند الله، بعد أن أخذ المسلمون بالأسباب الممكنة وصبروا على الحصار. وقد شكّلت الغزوة منعطفًا مهمًا في الصراع؛ إذ أخفقت الأحزاب في تحقيق هدفها، ولم تعد المدينة هدفًا سهلًا لغزو مماثل.
أما ما جرى مع بني قريظة، فقد كان بعد انصراف الأحزاب، ويتصل بأحداث تلت الغزوة. وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: 26-27].
دروس من الأحزاب لواقعنا اليوم
لا تعني الاستفادة من غزوة الأحزاب أن نساوي بين أطرافها وأحداثها وبين أي صراع معاصر؛ فلكل واقعة سياقها وأحكامها. لكن في الغزوة دروس عامة نافعة في مواجهة الشدائد، منها:
– الثقة بالله مع إدراك حقيقة الابتلاء:
يعلّمنا القرآن أن الشدة قد تطول، وأن الفرج وتوقيته بيد الله. ولا ينبغي تحويل هذا المعنى إلى وعدٍ بنصر عاجل في كل واقعة؛ فالمؤمن يحسن الظن بالله، ويصبر، ويعمل، ويفوّض إليه العاقبة.
– الثبات دون إنكار الخطر:
الثبات ليس تجاهلًا للمخاطر أو استهانةً بها، بل هو التماسك وحسن التصرف حين تشتد الظروف.
– الأخذ بالأسباب والتوكل:
حفر الخندق مثال واضح على التخطيط والاستفادة من المشورة والوسائل المتاحة، مع الاعتماد على الله.
– التعاون وتماسك المجتمع:
أظهر موقف المسلمين أهمية التشاور والتكاتف وقت الشدة، وضرورة صون المجتمع من الشائعات والتخاذل، مع بقاء النقد المسؤول والحوار المنضبط أمرين مختلفين عن الإشاعة والإضرار.
– التثبت من الأخبار:
عند تناول الأزمات المعاصرة، ينبغي الاعتماد على معلومات موثوقة ومؤرخة، والتمييز بين الوقائع المثبتة والتحليلات والتوقعات.
خاتمة: بين التوكل والعمل
ليست غزوة الأحزاب مجرد حدث تاريخي، بل تجربة قرآنية تبيّن كيف يجتمع الإيمان مع الصبر والتخطيط والتعاون. فقد اشتد الخوف، واختلفت مواقف الناس، ثم ردّ الله الأحزاب، وكفى المؤمنين القتال.
ومن الدروس التي نستحضرها اليوم أن نثق بالله
، وأن نواجه الشدائد بالثبات والأسباب المشروعة، وأن نتحرى الدقة عند وصف الوقائع. قال تعالى:
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25].
كاتب رأي
#نحن_طويق
