كُتاب الرأي
مؤشرات النجاح والإنجاز والأداء في الحرب الأمريكية ضد إيران

مؤشرات النجاح والإنجاز والأداء في الحرب الأمريكية ضد إيران
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
تتيح لنا الحرب الأمريكية ضد إيران اختبار الفروق بين
- مؤشرات النجاح،
- ومؤشرات الإنجاز،
- ومؤشرات الأداء
في حالة تتغير فيها الأهداف والتصريحات والظروف بسرعة.
ولا يتناول هذا المقال الحكم على مشروعية الحرب أو نتائجها النهائية،
بل يطبق إطارًا تخطيطيًا على الأهداف المعلنة،
ويفصل بين الغاية السياسية الأوسع، والنتائج المرحلية، ومقاييس متابعة التنفيذ.
أولًا: مؤشر النجاح — إسقاط النظام أم انتقال السلطة؟
في اليوم الأول للحملة، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشعب الإيراني إلى استعادة حكومته وتولي زمام الحكم، كما دعا قوات الأمن إلى إلقاء السلاح.
وقد فُهمت هذه الدعوة على نطاق واسع بوصفها حثًا على الإطاحة بالنظام القائم.
كما أشار تحليل لمركز المستقبل إلى أن إسقاط النظام كان من بين الأهداف التي طرحها ترامب في بداية الحرب.
وبناءً على هذا الخطاب الافتتاحي، يمكن، في إطار التحليل، اعتبار
**إسقاط النظام القائم أو انتقال السلطة فعليًا إلى نظام بديل**
مؤشرًا محتملًا للنجاح السياسي النهائي.
ولجعل هذا المؤشر قابلًا للقياس، لا يكفي مقتل عدد من القادة أو تدمير بعض المنشآت؛ بل ينبغي التحقق من:
- حدوث انتقال سياسي حقيقي.
- قيام سلطة بديلة تمارس الحكم.
- امتلاك السلطة الجديدة قدرًا من الاستقرار والقدرة على إدارة الدولة.
فالدعوة إلى التغيير ليست هي التغيير نفسه.
ومن المهم التمييز بين التحليل وبين الموقف الرسمي؛ فهذا التحديد يستند إلى الخطاب الرئاسي الأول،
ولا يعني أن إسقاط النظام كان الهدف العسكري الوحيد
أو الهدف التنفيذي الثابت لدى جميع مسؤولي الإدارة الأمريكية.
فقد عرض مسؤولون أمريكيون أهدافًا عسكرية محددة، وذكر وزير الدفاع في الأيام الأولى أن الحرب ليست حربًا لتغيير النظام،
في حين وصف نائب الرئيس ما قد يحدث للنظام بأنه نتيجة عرضية مقارنة بالهدف النووي الأساسي.
وعليه، تجمع هذه الحالة بين
دعوة رئاسية مبكرة إلى تغيير السلطة،
وبين تباين رسمي حول ما إذا كان ذلك يمثل الهدف التنفيذي الملزم للحملة.
ثانيًا: مؤشرات الإنجاز — ما النتائج المرحلية التي قد تقود إلى الغاية؟
إذا كان مؤشر النجاح النهائي هو:
**تغيير النظام أو انتقال السلطة**،
فإن مؤشرات الإنجاز تصف النتائج المرحلية التي يُفترض أن تقرّب من تلك الغاية.
وفي هذا المثال، يمكن اعتبار أبرز مؤشرات الإنجاز في المرحلة الأولى:
- إضعاف قمة القيادة السياسية والعسكرية.
- تعطيل قدرتها على إدارة الدولة والحرب.
- إضعاف تماسك القيادة وسلسلة اتخاذ القرار.
- الحد من القدرة على مواصلة العمليات العسكرية وإدارة مؤسسات الدولة.
وتزداد أهمية هذا المؤشر في ضوء إعلان الجيش الإسرائيلي مقتل أربعين قائدًا عسكريًا إيرانيًا بارزًا في مستهل الغارات. وينبغي، عند استخدام هذا الرقم، نسبته بوضوح إلى مصدره؛
فهو إعلان إسرائيلي عن قادة عسكريين، وليس رقمًا مستقلًا مثبتًا بالضرورة لعدد من الشخصيات السياسية والعسكرية من الصف الأول.
أما مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، فقد أكدته وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، كما أوردت رويترز مقتل وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري ضمن القيادات التي قُتلت في الضربات.
وبناءً على ذلك، يمكن صياغة مؤشر الإنجاز على مستويين:
– **مؤشر وصفي مباشر:**
القيادات العليا التي أُعلن أو تأكد مقتلها، ومواقعها داخل هيكل الدولة والقوات المسلحة.
– **مؤشر استراتيجي أعمق:**
مقدار ما أحدثته هذه الخسائر من ضعف في تماسك القيادة وسلسلة القرار والقدرة على مواصلة الحكم وإدارة القوات.
ويظل المستوى الثاني هو الأهم في تقييم قيمة الإنجاز؛ فعدد القتلى وحده
لا يثبت تعطّل النظام،
ولا يثبت انتقال السلطة،
ولا يثبت تحقق مؤشر النجاح النهائي.
وتوجد إلى جانب ذلك مؤشرات إنجاز أخرى مترابطة، منها:
- تقليص القدرات العسكرية والاستراتيجية التي وضعتها الإدارة الأمريكية في مقدمة أهدافها، ومنها الصواريخ الباليستية ومنشآت إنتاجها والقدرات البحرية، إضافة إلى منع تطوير سلاح نووي.
- إضعاف قدرة طهران على دعم حلفائها المسلحين في المنطقة، وهو هدف أعلنه ترامب ومسؤولون أمريكيون ضمن أهداف الحملة.
- ظهور مسار سياسي بديل قابل للاستمرار، إذا كان المقصود من إسقاط النظام إقامة سلطة جديدة، وليس مجرد إحداث فراغ في الحكم.
وتظل هذه مؤشرات إنجاز محتملة ضمن نموذج التحليل، وليست إثباتًا أن كل واحدة منها تحققت أو أنها تكفي وحدها لإسقاط النظام.
- فقد تتراجع القدرة العسكرية دون أن يتغير النظام،
- وقد تُقتل قيادات دون أن تنتقل السلطة،
- وقد يحدث تغير في القيادة دون أن يقع انتقال سياسي شامل.
ولهذا ينبغي ربط كل إنجاز بالهدف النهائي،
والتحقق من أثره الفعلي في مسار الحرب والنتيجة السياسية.
ثالثًا: مؤشرات الأداء — كيف نتابع تنفيذ المسارات؟
لا تجيب مؤشرات الأداء عن سؤال: **هل سقط النظام؟**
بل تجيب عن سؤال آخر:
**كيف نُفذت الأعمال والمسارات المؤدية إلى النتائج؟ وبأي كفاءة واستدامة؟**
ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات ما يأتي:
- **الجاهزية والقدرة العسكرية:**
مدى الجاهزية، واستدامة الإمداد، وتوافر الذخائر، والقدرة على تنفيذ المهام المعلنة ضمن الوقت والموارد المتاحة.
- **المسار السياسي والدبلوماسي:**
اتساق الرسائل الرسمية، والتنسيق بين مؤسسات الإدارة، ووجود مسار تفاوضي أو تصور لما بعد انتهاء العمليات، ومستوى التعاون مع الحلفاء.
- **الرأي العام الداخلي والخارجي:**
اتجاهات التأييد والمعارضة، مع تحديد العينة والتوقيت ومصدر القياس، وعدم اعتبار التصريحات الفردية بديلًا عن استطلاعات الرأي الموثوقة.
- **التكاليف والاستدامة:**
الإنفاق، وأثر العمليات في المخزونات والقدرة على التعويض، والتداعيات الاقتصادية، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد.
- **الآثار الإنسانية:**
الخسائر البشرية والأضرار التي تلحق بالمدنيين والبنية المدنية. وهذه ليست أرقامًا تشغيلية فحسب، بل نتائج جوهرية ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقويم السياسة والحملة.
ومن الأمثلة على أهمية هذه المقاييس تقدير مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي كلفة العمليات بنحو 38 مليار دولار حتى 1 أغسطس 2026،
وما أورده تقرير خدمة أبحاث الكونغرس بشأن وجود نقص استراتيجي في مخزونات الذخائر واختناقات في إعادة التوريد.
وتكشف هذه المؤشرات جوانب مهمة تتعلق بالكلفة والجاهزية والاستدامة،
لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال تحقق الهدف السياسي النهائي.
رابعًا: لماذا تتغير المؤشرات والأولويات؟
توضح التصريحات والتطورات المنشورة كيف يمكن أن يتغير وزن الأهداف بمرور الوقت.
- ففي 28 فبراير، دعا ترامب الإيرانيين إلى تولي الحكم، بالتوازي مع حديثه عن تدمير الصواريخ والبحرية ومنع امتلاك السلاح النووي.
- وفي 2 مارس، عرضت الإدارة الأمريكية مجموعة من الأهداف العسكرية شملت الصواريخ والبحرية والبرنامج النووي ووقف دعم الجماعات المسلحة.
- ثم أعلن ترامب في 6 مارس أنه لا اتفاق إلا بالاستسلام غير المشروط، قبل أن يخفف لاحقًا من لهجة الدعوة إلى انتفاضة داخلية، وفق ما أوردته تقارير صحفية عن تغير التصريحات.
- وفي أبريل أُعلن وقف لإطلاق النار، ثم وُقعت مذكرة تفاهم في يونيو لإنهاء النزاع والتفاوض على تسوية أوسع. غير أن تنفيذ المذكرة تعثر، وانهارت بعد أسابيع، وانتهت رسميًا في أغسطس. كما أشار تقرير للكونغرس إلى عودة ضربات محدودة في سبتمبر ومحاولات إقليمية لاستئناف الجهود الدبلوماسية.
- وبحلول 1 و2 أكتوبر، تحدث ترامب عن احتمال استئناف الضربات بعد انتخابات التجديد النصفي، بالتزامن مع تقارير عن تحركات بحرية أمريكية إضافية إلى المنطقة.
ولا تعني هذه التحولات أن كل هدف سابق اختفى تمامًا، لكنها توضح أن ترتيب الأهداف وشروط إنهاء الحرب ومؤشرات النجاح نفسها قد تتغير.
فقد ينتقل التركيز من تغيير النظام إلى:
- إضعاف القدرات العسكرية.
- فرض شروط تفاوضية.
- تأمين الملاحة.
- منع تطوير السلاح النووي
- الحد من دعم الجماعات المسلحة في المنطقة.
وعند كل تحول، ينبغي إعادة طرح سؤالين أساسيين:
- ما الهدف الذي يجري السعي إلى تحقيقه في هذه المرحلة؟
- وما المقياس الذي سيُعد دليلًا على تحقيقه؟
الخلاصة
في هذا التطبيق، يمكن اعتبار
**إسقاط النظام أو انتقال السلطة**
مؤشرًا محتملًا للنجاح السياسي النهائي، استنادًا إلى دعوة ترامب الافتتاحية للشعب الإيراني إلى تولي الحكم،
مع التأكيد أن ذلك لا يمثل بالضرورة هدفًا رسميًا ثابتًا لدى جميع مؤسسات الإدارة الأمريكية.
أما
- إضعاف قمة القيادة والقدرة على إدارة الحكم
- ومن ذلك خسائر القيادات التي أُعلن عنها،
- إلى جانب تقليص القدرات العسكرية والاستراتيجية،
- وإضعاف دعم الحلفاء، وظهور مسار سياسي بديل،
فتدخل ضمن مؤشرات الإنجاز المرحلية.
وتندرج
** الجاهزية والإمداد والاتساق السياسي والدبلوماسي والرأي العام والتكاليف والآثار الإنسانية **
ضمن مؤشرات الأداء والمتابعة.
ولا يكفي عدّ القيادات المقتولة للحكم على الإنجاز، ما لم يتضح أثر هذه الخسائر في قدرة النظام على الاستمرار.
كما أن الإنجاز العسكري لا يساوي تلقائيًا تحقق النجاح السياسي النهائي.
ويظل هذا التصنيف مرتبطًا بسياقه؛ فقد أظهرت الحرب تباين التصريحات وتحولها، ولذلك ينبغي:
- تحديد الهدف في كل مرحلة
- نسبة كل تصريح إلى صاحبه وتاريخه.
- التمييز بين الهدف المعلن والهدف التنفيذي.
- عدم اعتبار الإنجاز العسكري دليلًا تلقائيًا على تحقق الغاية السياسية.
وبذلك يتحقق المقصد من هذه السلسلة:
- الانتقال من المصطلح إلى التطبيق،
- ومن سرد الأحداث إلى تحليل ما تعنيه مؤشرات النجاح والإنجاز والأداء.
كاتب رأي
