كُتاب الرأي

الأربطة الخيرية

الأربطة الخيرية

الحوكمة والاستدامة في ضوء مقاصد الوقف

عصام يحيى الفيلالي

عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز

تمثل الأربطة الخيرية صورة من صور التكافل الاجتماعي، وامتداداً عملياً لفكرة الوقف الخيري في الفقه الإسلامي. وقد أُعدّ كثير منها لإيواء الفئات المحتاجة ورعايتها، كالفقراء وكبار السن وابن السبيل. وترتبط هذه الأربطة تاريخياً بمفهوم «الرباط»، وبما عرفته الأوقاف من تخصيص العقارات والمرافق لخدمة المصالح العامة. ومع ذلك، تختلف الأوضاع الوقفية والنظامية لهذه المؤسسات؛ لذا ينبغي التحقق من وضع كل رباط ووثائقه قبل تعميم الأحكام عليه.
واليوم تواجه الأربطة تحديات تتصل بالإشراف والحوكمة، وصيانة الوثائق، واستدامة الموارد المالية. وتُتداول أرقام عن عدد الأربطة في جدة والجهات المشرفة عليها، إلا أن عرضها يتطلب توثيق مصدرها وتاريخها، وتوضيح المقصود بكل فئة، والتحقق من عدم تداخل التصنيفات. ومن دون ذلك، قد تؤدي الأرقام إلى صورة غير دقيقة عن واقع الإشراف. وتبرز هنا أهمية إعداد سجل موحد يبيّن عدد الأربطة، ومواقعها، وأوضاعها الوقفية والنظامية، والجهات أو النُّظّار المسؤولين عنها.
ولا يعني ذلك بالضرورة توحيد الإشراف لدى جهة واحدة؛ فالأربطة قد تختلف في صفتها ووثائقها والجهة ذات الاختصاص بها. والأجدى هو تحديد المسؤوليات وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، بما يحفظ استقلال النظارة حيثما اقتضت الأنظمة ذلك، ويضمن في الوقت نفسه وضوح المساءلة وحماية حقوق المستفيدين.
كما يمكن الاستفادة من الأطر واللوائح المنظمة للقطاع غير الربحي في تطوير ممارسات الحوكمة، مع التحقق من انطباق كل لائحة على الجهة المعنية وتحديد نسختها وتاريخها.
وتتطلب الحوكمة الفاعلة :
  • وضوح الصلاحيات والمسؤوليات،
  • والإفصاح المالي،
  • وحفظ السجلات،
  • ومراجعة الأداء دورياً.
  • كما يستحسن أن تُنظّم عضوية مجالس الإدارة والنُّظّار وآليات المساءلة وفق الأطر النظامية ذات الصلة،بدلاً من تبني مدد أو إجراءات موحدة من دون مراعاة اختلاف الأشكال القانونية للأربطة.
ومن التحديات المهمة كذلك صعوبة الوصول إلى بعض وثائق الوقف القديمة، وما قد تتضمنه من شروط تحتاج إلى تفسير في ضوء واقع اليوم. وتساعد رقمنة الوثائق وفهرستها على حفظها وتيسير الرجوع إليها، كما تتيح مراجعتها بدقة أكبر. وعند وجود إشكال في فهم شرط الواقف أو تعذر تنفيذه، يمكن الاستعانة بجهة مختصة أو لجنة تضم خبرات شرعية ونظامية، لدراسة الشرط وبيان كيفية تنفيذه، والنظر في البدائل المسموح بها عند تعذره، بما يراعي مقصد الواقف والأنظمة ذات العلاقة. وينبغي أن يُفهم ذلك على أنه معالجة منضبطة للواقع، لا تغيير لشروط الوقف بغير مسوغ.
أما الوثائق التي تثبت ملكية العقارات أو وقفها، فينبغي التمييز بينها وبين الصكوك الاستثمارية التي قد تُستخدم لتمويل تطوير الأصول الوقفية. فلكل نوع أحكامه ومتطلباته،
ولا يصح افتراض انطباق المعايير الخاصة بالصكوك الاستثمارية على وثائق الوقف أو الملكية.
وإذا اتجهت جهة وقفية إلى تمويل مشروع من خلال إصدار صكوك، فإن ذلك يستلزم دراسة مستقلة للجوانب الشرعية والنظامية والمالية،
وتحديد حقوق الأطراف وآليات إدارة المخاطر وتسوية النزاعات وفق الأنظمة والمعايير المنطبقة.
وتظل الاستدامة المالية من أبرز مقومات استمرار الأربطة في أداء رسالتها. ولا يكفي الحديث عن اعتماد الجمعيات أو الأربطة على التبرعات أو الدعم الحكومي من دون بيانات موثقة؛ لذا ينبغي إسناد أي تقدير من هذا النوع إلى دراسة محددة وبيان نطاقها. وعلى مستوى المعالجة، يمكن تنويع الموارد من خلال تنمية الأصول الوقفية واستثمارها وفق سياسة واضحة، تراعي حفظ الأصل، وتقدير المخاطر، ومتابعة العوائد، والالتزام بشروط الواقفين والأنظمة ذات الصلة.
كما يمكن بناء شراكات مع القطاع الخاص والجهات المانحة والغرف التجارية لدعم الترميم والتأثيث وتقديم الخدمات الصحية والغذائية،
على أن تُحدد أهداف الشراكة ومدتها ومسؤوليات أطرافها، وأن تُدار بشفافية.
ومن المهم أن يُقاس أثر هذه المبادرات بما تحققه للمستفيدين من استقرار في السكن وجودة في الرعاية، لا بمجرد حجم التمويل أو عدد الشراكات.
إن استدامة الأربطة الخيرية لا تتحقق بإجراء منفرد، بل تتطلب حصرها وتصنيف أوضاعها الوقفية والنظامية، وتحديد مسؤوليات النظارة والإشراف، وصيانة الوثائق والشروط، وتنويع الموارد المالية بضوابط تحفظ أصل الوقف. كما تتطلب الاستناد إلى بيانات موثقة، وتنسيقاً فعالاً بين الجهات المعنية، واهتماماً مستمراً بجودة الخدمات المقدمة للمستفيدين. وبذلك يمكن صون هذا الإرث الخيري، وتعزيز قدرته على تحقيق مقاصد الواقفين والاستجابة لحاجات المجتمع المعاصرة.
والله من وراء القصد

 

كاتب رأي 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.