كُتاب الرأينحن طويق

المبادئ والمصالح في استراتيجيات الشراكة

المبادئ والمصالح في استراتيجيات الشراكة

عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق، جامعة الملك عبدالعزيز

لا تقوم الشراكات بين الدول على المبادئ وحدها، ولا على المصالح وحدها.
فالمبادئ تمنح العلاقة معنىً وشرعية، وتسهم في بناء الثقة وتحديد القواعد المقبولة.
أما المصالح فتمنحها دوافع عملية للاستمرار، مثل الأمن والازدهار والتجارة وتقاسم الأعباء.
ومع ذلك فإن اجتماع المبادئ والمصالح لا يكفي بذاته لضمان نجاح الشراكة واستدامتها؛ إذ يتطلب الأمر تحويل التفاهمات إلى تعاون ملموس، وإنشاء آليات تُحسن إدارة الخلاف وتوزيع المنافع والأعباء.

يمكن النظر إلى الشراكات بين الدول من خلال ثلاث استراتيجيات رئيسة:
1. استراتيجية التواصل،
2. استراتيجية المشاركة،
3. استراتيجية التحالفات والكيانات المؤسسية

وهي أنماط متمايزة، لا مراحل متتابعة بالضرورة؛
فقد تتداخل في العلاقة الواحدة، وقد يبدأ التعاون بترتيب مؤسسي أو يظل عند مستوى الحوار.

أولاً: استراتيجية التواصل :
تقوم استراتيجية التواصل على الاتصالات الدبلوماسية والحوار وتبادل المعلومات، وقد تشمل التواصل الإعلامي وبناء الرأي العام. وهي أقل الأنماط كلفة والتزاماً، وتساعد على فتح قنوات لمعالجة الخلاف أو الحد من مخاطر سوء الفهم.
لكنها لا تعني وحدها وجود التزام مشترك أو قدرة تنفيذية.

وتقدم المصالحة السعودية الإيرانية التي أُعلن عنها عام 2023 مثالاً على دور التواصل الدبلوماسي في إعادة فتح قنوات العلاقات وتنظيم التوتر.
ولا يعني ذلك أن الطرفين أصبحا حليفين أو أن خلافاتهما انتهت؛ إلا أن مثل هذا النمط من التواصل قد يهيئ مجالاً للتفاهم والعمل، لكنه لا يكفي وحده لبناء كيان مشترك أو يضمن توافق المصالح على المدى الطويل.

ثانياً: استراتيجية المشاركة :
تقوم استراتيجية المشاركة على التعاون في أنشطة أو برامج محددة، مثل المؤتمرات والندوات واللقاءات الوزارية والتدريب والمشاريع المشتركة.
وتتيح هذه الأنشطة للأطراف اختبار إمكانات التعاون عملياً، وبناء الخبرة والعلاقات، من دون أن تفرض بالضرورة التزامات طويلة الأمد.

ومن أمثلتها اجتماعات القمم ومجالس وزراء الخارجية ،
إذ تتيح للدول بحث قضايا مشتركة وتنسيق بعض المواقف. لكن انعقاد اجتماع أو صدور بيان لا يعني، بحد ذاته، إنشاء تحالف أو تحقيق نتائج تنفيذية.
وتتحقق قيمة المشاركة حين تقترن بمخرجات قابلة للمتابعة، مثل توصيات مشتركة أو مشروع محدد أو برنامج له أهداف وجهات مسؤولة.
أما إذا اقتصرت اللقاءات على النقاش والبيانات العامة من دون متابعة وتنفيذ، فإن أثرها يبقى محدوداً عند مستوى التواصل.

ثالثاً: استراتيجية التحالفات والكيانات المؤسسية :
تقوم استراتيجية التحالفات والكيانات المؤسسية على تنظيم التعاون في أطر مستمرة، لها أهداف وقواعد وأجهزة وآليات عمل. وقد تتخذ هذه الأطر شكل تحالفات أمنية أو دفاعية، أو منظمات حكومية ومؤسسات تنموية.

ويبرز في العالم الإسلامي نموذجان مؤسسيان مهمان هما : منظمة التعاون الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية
فالأولى منظمة حكومية دولية تضم 57 دولة، وتصف نفسها بأنها ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة. وتمثل عضويتها الواسعة إطاراً دائماً للتشاور والتعاون بين دولها.
أما البنك الإسلامي للتنمية، فهو بنك تنمية متعدد الأطراف يضم 57 دولة عضواً موزعة على أربع قارات. وتبرز مكانته في ريادته العالمية في مجال التمويل الإسلامي، وفي حصوله على تصنيف ائتماني **AAA** من وكالة فيتش، وهو ما يعكس متانة موقعه الائتماني وتميزه في التمويل الإسلامي، واتساع عضويته، ومكانته الائتمانية.

ويُظهر النموذجان كيف يمكن لمبادئ التعاون والتضامن ومصالح التنمية المشتركة أن تتحول إلى كيانات دائمة ذات عضوية وأجهزة وبرامج. ويمكن وصفهما بأنهما نموذجان بارزان لبناء المؤسسات في إطار الشراكة، مع التمييز بين هذا الدور المؤسسي وبين التحالف الدفاعي بالمعنى المحدد.

وفي السياق نفسه، وقّعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان **اتفاقية مكة للدفاع المشترك** في أغسطس 2026. ووفق البيان السعودي المشترك، تهدف الاتفاقية إلى تعزيز الردع المشترك، وتنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، كما تشمل تطوير أوجه التعاون الدفاعي. وتمثل الاتفاقية إطاراً دفاعياً مشتركاً، فيما يتوقف تقدير فاعليتها على ما يتحقق من تنفيذ لالتزاماتها وتنسيق بين أطرافها.

ما الذي تكشفه التجارب؟
وإن كان فيما سبق يمثل تجارب ناجحة في بناء الكيانات المستدامة ففي تاريخنا العربي كيانات لم يحالفها التوفيق
كتجربة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، التي قامت عام 1958 وانتهت بانفصال سوريا عام 1961،
فقد ارتبط تفكك الوحدة، بالتباينات السياسية والاقتصادية، وبالشعور بعدم التوازن في توزيع النفوذ والمنافع. إلا أنه لا ينبغي اختزال التجربة في سبب واحد؛ حيث تبرز أهمية المؤسسات المتوازنة والضمانات التي تحفظ صوت كل شريك ومصالحه.

وعلى الطرف الآخر، يوضح اتفاق عدم الاعتداء بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي عام 1939 حدود التفاهم القائم على مصالح ظرفية بين خصمين أيديولوجيين. فقد أتاح الاتفاق لكل طرف هامشاً استراتيجياً مؤقتاً، لكنه لم يبدد التناقض بينهما أو يؤسس ثقة مستدامة، وانتهى بالغزو الألماني للاتحاد السوفيتي عام 1941. وتبرز هذه الحالة الفرق بين التوافق المؤقت على مصلحة محددة وبين شراكة تدعمها قواعد وآليات قادرة على الاستمرار وإدارة الخلاف.
وفي خلاصة القول ، فإن استراتيجية التواصل تؤدي دوراً في فتح القنوات وإدارة التوتر،

وتتيح استراتيجية المشاركة اختبار التعاون في أنشطة محددة،
بينما تنظم استراتيجية التحالفات والكيانات المؤسسية تعاوناً أوسع وأكثر استمرارية.

ولا يضمن الانتقال إلى هذا النمط الأخير النجاح تلقائياً؛ فاستدامة الشراكة تتطلب مصالح متبادلة، وقواعد واضحة، وعدالة في توزيع المنافع والأعباء، وآليات فعالة للتنفيذ وإدارة الخلاف.

وحين تلتقي المبادئ والمصالح وتدعمهما مؤسسات قادرة على العمل، تتعزز فرص استمرار الشراكة.
أما إذا غابت المصالح العملية عن المبادئ، أو افتقرت المصالح إلى الثقة والقواعد، فقد يبقى التعاون محدوداً أو هشاً، مهما بدا الخطاب المشترك متماسكاً.

كاتب رأي 

#نحن_طويق 

 

 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.