كُتاب الرأينحن طويق
الخليج بين التصعيد والتهدئة

الخليج بين التصعيد والتهدئة
عصام يحيى الفيلالي – اكاديمي سابق
لا تقتصر مخاطر أي مواجهة جديدة مع إيران على ساحات القتال، بل قد تمتد إلى أمن الخليج وممراته البحرية ومنشآته الحيوية، وتنعكس على التجارة والطاقة والاقتصادات المحلية. ومع تداول تحذيرات من احتمال استئناف العمليات العسكرية، تبرز حاجة دول المنطقة إلى الاستعداد، لكن من دون التعامل مع التصعيد بوصفه أمراً محسوماً. فالتمييز بين الاحتمال والقرار، وبين التحذير السياسي والواقعة المؤكدة، هو بداية التقدير المسؤول للمخاطر.
في ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦، قال السيناتور الأميركي كريس ميرفي، بعد إحاطة بشأن خطط عسكرية محتملة تجاه إيران، إن الخطة التي اطّلع عليها «مجنونة»، وإنها قد تؤدي إلى تصعيد مدمّر وتقويض الالتزام بسيادة القانون. وأشار إلى أنه لا يستطيع كشف تفاصيل الإحاطة، لكنه تحدث عن تداول علني لاحتمال استهداف بنى تحتية مدنية.
تستدعي هذه التصريحات الانتباه، لكنها لا تعني أن قراراً عسكرياً قد اتُّخذ أو أن عملية وشيكة قد حُسمت. فوصف الخطة بأنها «مجنونة» هو تقييم سياسي لميرفي، وليس وصفاً رسمياً لها أو دليلاً مستقلاً على نتائجها.
وتكمن أهمية التصريح في أنه يعكس قلقاً من أن تؤدي الأهداف العسكرية أو الوسائل المقترحة لتحقيقها إلى توسيع المواجهة، وإلى تبعات قانونية وسياسية يصعب احتواؤها.
وفي السياق نفسه، أفاد تقرير لوكالة أسوشيتد برس في ٢٨ أكتوبر بأن مسؤولين أميركيين حذّروا دولاً في الشرق الأوسط من الاستعداد لاحتمال استئناف الضربات بعد انتخابات التجديد النصفي في ٣ نوفمبر،
ومن احتمال رد إيراني قد يطال منشآت للطاقة والبنية التحتية. لكن التقرير أشار أيضاً إلى أن الرئيس الأميركي لم يكن قد اتخذ قراراً نهائياً بشأن تنفيذ ضربات جديدة. وهذا فارق جوهري: فالاستعداد لاحتمال التصعيد لا يعني أن التصعيد أصبح حتمياً.
ولا ينبغي كذلك تحميل التحذيرات العامة بشأن المخاطر النووية دلالة لا تتضمنها. فقد أعلنت منظمة *Back from the Brink* في ٧ أبريل ٢٠٢٦ أن أكثر من ٢٥٠ مسؤولاً محلياً وعلى مستوى الولايات وجّهوا رسالة إلى الكونغرس للمطالبة بخفض مخاطر الأسلحة النووية. وتمثل هذه الرسالة تعبيراً عن قلق أوسع من مخاطر الحرب النووية، لكنها لا تثبت أن استخدام سلاح نووي في المواجهة مع إيران خيار مطروح أو أن هناك خطة أميركية محددة بهذا الشأن.
وحتى إذا لم تكن دول الخليج طرفاً مباشراً في أي مواجهة، فإن آثارها قد تصل إليها عبر الملاحة والطاقة والتجارة. فاضطراب المرور في مضيق هرمز، مثلاً، قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويؤخر وصول السلع، ويضغط على سلاسل الإمداد. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب صافية للدول المصدرة، إذ قد يترافق مع مخاطر على المنشآت، أو تعطل الصادرات، أو تراجع النشاط التجاري والاستثماري.
وقد تمتد التداعيات إلى الطيران والسياحة والخدمات اللوجستية، فيما تزيد التهديدات التي تطال البنية التحتية الحيوية من أعباء الحماية والاستعداد.
وكلما طال أمد المواجهة، أصبح احتواء آثارها في قطاع واحد أو في أطرافها المباشرة أكثر صعوبة.
لذلك لا يتعلق الاستعداد بتوقع نتيجة بعينها، بل بتقليل التعرض للصدمات إذا اتسع نطاق الأحداث أو طال أمدها.
ومن السيناريوهات التي ينبغي أخذها في الاعتبار احتمال سقوط النظام الإيراني أو انهيار السلطة المركزية. غير أن السؤال الأهم لا يقتصر على مصير القيادة، بل يتصل بطبيعة المرحلة التي تلي أي تغيير:
- هل تتفق القوى السياسية على ترتيب انتقالي؟
- وهل تبقى مؤسسات الدولة والأمن متماسكة؟
- وهل تقبل الأطراف بنتائج المرحلة الجديدة؟
فإذا وقع انهيار مفاجئ من دون انتقال منظم، فقد تتنافس مراكز قوى وأطراف سياسية وأمنية ومحلية على النفوذ، بما يزيد احتمال الاضطراب الداخلي والتدخل الخارجي.
وقد تمتد بعض الآثار إلى دول الجوار عبر النزوح، أو تهريب السلاح، أو اضطراب الحدود والتجارة، أو نشاط جماعات مسلحة. ومن هنا يأتي تشبيه البعض بما جرى في أفغانستان، بوصفه تحذيراً من احتمال الفوضى وتعدد مراكز القوة، لا توقعاً مؤكداً ولا قياساً مطابقاً؛
فمسار إيران سيعتمد على تماسك مؤسساتها، ووحدة القوى المعارضة أو انقسامها، ووجود تصور مقبول لإدارة الدولة بعد أي تغيير.
لكن سقوط النظام ليس المسار الوحيد.
* فقد يبقى النظام الإيراني، مع تعرضه لضعف اقتصادي أو عسكري، أو قد تتغير القيادة من داخل مؤسسات الدولة من دون انهيار شامل.
- وقد تنتهي المواجهة أيضاً بمكسب سياسي أو عسكري أو تفاوضي تستطيع القيادة الإيرانية تقديمه داخلياً على أنه انتصار، بما قد يعزز مكانتها وخطاب الردع لديها، ويدفعها إلى محاولة إعادة بناء نفوذها الإقليمي أو تحسين موقعها في المفاوضات.
ومع ذلك، لا يعني المكسب المعلن بالضرورة عودة النفوذ الإيراني إلى مستوياته السابقة، ولا يعني أن الجماعات المرتبطة بطهران ستتحرك ككتلة واحدة. فحجم النفوذ المحتمل سيتوقف على ما يتبقى لإيران من موارد وقدرات، وعلى مواقف دول المنطقة، وعلى مدى استقلال قرارات تلك الجماعات وظروف كل ساحة.
فالانتصار المعلن لا يساوي بالضرورة مكسباً مستداماً،
كما أن الخسائر لا تعني بالضرورة انهيار النفوذ كله.
لهذا، لا يكفي السؤال: «من انتصر؟» بل ينبغي النظر أيضاً إلى من يسيطر على مؤسسات الدولة بعد المواجهة، وما إذا كان الداخل الإيراني سيستقر، وما إذا كانت طهران ستتجه إلى التسوية أم إلى إعادة بناء أدوات الضغط.
وهذه الأسئلة مهمة لدول الخليج، لأنها تساعد على تقدير ما قد يلي المواجهة، بدلاً من الاكتفاء بتقييم نتائجها العسكرية المباشرة.
تهدئة مدعومة بالاستعداد
من مصلحة دول الخليج خفض احتمالات الحرب،
- لكن التهدئة لا تكفي وحدها ما لم تدعمها قنوات اتصال فاعلة وتفاهمات قابلة للتحقق بشأن الملاحة وأمن المنشآت وتجنب استهداف دول الجوار.
- كما أن الدعوة إلى الحوار لا تعني التغاضي عن المخاطر، والاستعداد الأمني لا يعني التهويل أو افتراض أن المواجهة حتمية.
ويقتضي التعامل المسؤول الجمع بين
- حماية السكان والمنشآت،
- ورفع الجاهزية للطوارئ،
- وإبقاء قنوات التواصل قائمة للحد من سوء التقدير.
- كما يتطلب تخفيف التعرض للصدمات تنويع مسارات التجارة والطاقة،
- وتعزيز قدرة الاقتصادات المحلية على مواصلة العمل عند اضطراب النقل أو ارتفاع كلفته.
إن التحذيرات المتداولة، ومنها تصريح كريس ميرفي، تكشف عن قلق من أن تؤدي أي خطة عسكرية جديدة إلى تصعيد يتجاوز أهدافها المعلنة.
لكنها لا تثبت أن الحرب ستُستأنف حتماً،
ولا أن خياراً نووياً مطروح بقوة.
والمسؤولية تقتضي عرض الوقائع كما هي، ثم مناقشة السيناريوهات بوصفها احتمالات مشروطة لا تنبؤات مؤكدة.
وفي جميع الأحوال، تبقى مصلحة الخليج في خفض احتمالات الحرب، والاستعداد لتبعاتها إن وقعت، ودعم تسوية تحفظ سيادة دول المنطقة وأمنها.
والله من وراء القصد.
