كُتاب الرأي
أثر إغلاق باب المندب

أثر إغلاق باب المندب
وضرب مصافي النفط السعودية على الاقتصاد العالمي
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
يشكّل مضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه ثلاثين كيلومتراً، أحد أخطر نقاط الاختناق في منظومة التجارة العالمية.
فمن خلاله تمر ما بين 12% و15% من إجمالي التجارة الدولية، بما في ذلك كميات ضخمة من النفط والغاز وحاويات الشحن التي تغذي الأسواق الأوروبية والآسيوية على حد سواء.
غير أن هذا المضيق لم يعد مجرد ممر لوجستي عابر، بل تحوّل إلى ساحة مواجهة جيوسياسية مفتوحة، بعد إعلان جماعة الحوثي في 20 يوليو 2026 فرض حظر ملاحي شامل على السفن التجارية والناقلات المرتبطة بالمملكة العربية السعودية.
تزامن هذا التطور مع تصعيد موازٍ استهدف البنية التحتية للطاقة في المملكة العربية السعودية ذاتها، حيث تعرّضت مصافي التكرير ومنشآت الإنتاج وخطوط الأنابيب لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أسفرت عن خفض الطاقة الإنتاجية السعودية وتقليص تدفقات خط الأنابيب شرق–غرب.
هذا التقاطع بين إغلاق الممر البحري وضرب المصافي لم يكن مجرد مصادفة تكتيكية، بل هو توجه متعمد لضرب الأسواق العالمية وأعاد رسم خرائط الطاقة الدولية.
والخطورة الحقيقية لهذه الهجمات لا تكمن فقط في حجم الخسارة المباشرة، بل في تأثيرها المتراكم على مختلف الأصعدة. فمع استمرار الهجمات،
- تتعطل عمليات الصيانة والإصلاح،
- وتتباطأ وتيرة استعادة الطاقة الإنتاجية،
- تآكل المخزونات الاحتياطية العالمية بشكل كبير.
وقد حذّرت وزارة الطاقة السعودية صراحة من أن استمرار هذه الاستهدافات “يؤدي إلى تقلبات حادة في أسواق البترول وينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي وأمن الإمدادات للدول المستفيدة”.
والأهم أن ضرب المصافي يستهدف حلقة محددة في سلسلة القيمة: فحتى لو استمرت صادرات الخام، فإن تعطل التكرير يخلق نقصاً في المنتجات المكررة كالديزل ووقود الطائرات والنافتا، وهذه منتجات لا يمكن تعويض نقصها بسهولة من مصادر بديلة لأنها تتطلب قدرات تكرير متخصصة. وقد تجلّى هذا الضغط بوضوح في الارتفاع القياسي في أسعار الديزل بالتجزئة، حتى وصل إلى مستويات قياسية في الولايات المتحدة.
ومع تعطل مضيق هرمز فعلياً بسبب الصراع الإقليمي المستمر، كان خط الأنابيب شرق–غرب يمثل صمام الأمان الرئيس لنقل النفط السعودي إلى البحر الأحمر. فهو يمتد على طول 1200 كيلومتر من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وكان يُستخدم لإعادة توجيه ما بين 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل 4% إلى 5% من إمدادات النفط العالمية.
إلا أن استهداف هذا الخط، إلى جانب الهجمات على المصافي والمنشآت،وإغلاق مضيق هرمز بالإضافة الى التهديدات الحوثية المتصاعدة في مضيق باب المندب
كل ذلك أثرٍ بشكل كبير على إمدادات النفط ومن ثم على الاقتصاد العالمي بشكل كبير . .
ومع توقف خط الأنابيب شرق–غرب، واصل ميناء ينبع التصدير اعتماداً على مخزوناته الاحتياطية، التي تُقدّر سعتها الإجمالية بنحو 35 مليون برميل إلا ان مصادر قطاع الطاقة أكدت أن المخزونات الحالية في ينبع أصبحت بطبيعة الحال في معدلات متناقصة .
وبالرغم من وجود مخزونات احتياطية اخرى لدى شركة في مصر، بمينائي العين السخنة وسيدي كرير، بسعة 18 و20 مليون برميل على التوالي. إلا أن هذه الإمدادات تُعد حلولاً قصيرة الأجل ، وسوف تنفد ما لم يُستأنف ضخ الأنابيب.
لذلك تعمل شركة أرامكو السعودية بشكل حثيث على تجاوز محطات الضخ المتضررة بهدف استعادة نحو نصف طاقة الخط، في غضون أيام قليلة لكن إصلاح الخط بالكامل قد يستغرق من 4 إلى 6 أسابيع . لذلك سارعت أرامكو لزيادة مبيعات النفط الفورية من خارج مضيق هرمز، وباعت نحو 20 مليون برميل لمصافي تكرير آسيوية، خصوصاً في الصين، لجدولة استلامها خلال سبتمبر وأكتوبر. وهذه خطوة تخفف الضغط على المملكة، لكنها لا تحل المشكلة العالمية: فالنفط الذي يُباع من خارج الممرات المهددة يظل محدوداً، ولا يعوض عن فقدان تدفقات ضخمة عبر نقاط اختناق حيوية. وعليه فقد كان رد فعل الأسواق فورياً وحاداً. فمع الإعلان عن الحظر الحوثي،
- اخترق خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ مايو 2026، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة تجاوزت 6% في يوم واحد،
- ثم تجاوز لاحقاً نطاق 105 إلى 108 دولارات للبرميل.
- ودفعت المخاوف من استمرار الأزمة بنوك الاستثمار الكبرى إلى رفع توقعاتها بشكل متتالٍ. فقد قدّرت بعض المصادر
- أن إغلاق باب المندب وحده قد يرفع الأسعار بنحو 20 دولاراً إضافية للبرميل،
- بينما حذّر محللون دوليون من أن الأزمة المزدوجة في هرمز وباب المندب معاً قد تدفع برنت لتجاوز 120 دولاراً.
- وفي سيناريو أكثر تشاؤماً، أشارت تقديرات إلى أن استمرار الإغلاق المزدوج للمضيقين قد يرفع الأسعار إلى ما بين 150 و160 دولاراً للبرميل،
وهو مستوى لم يُشهد منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وتكمن خطورة هذه التقديرات
- في أن المخزونات الاحتياطية العالمية قد استُنزفت بشكل كبير، مما يحد من قدرة السوق على امتصاص صدمات إضافية.
- ويحذر خبراء Rapidan Energy من أن استمرار تعطل الخط لفترة طويلة سيعني خروج نحو 120 مليون برميل من السوق،
- مما قد يدفع الأسعار مستقبلاً نحو مستويات قياسية قد تصل إلى 150 دولاراً إذا استُنزفت المخزونات العالمية إلى حدودها الحرجة.
و في محاولة لاحتواء الصدمة، لجأت وكالة الطاقة الدولية إلى إطلاق ما وصفته بأنه أكبر عملية تحرير للاحتياطيات الاستراتيجية في تاريخها، إذ وافقت الدول الأعضاء على ضخ 400 مليون برميل من المخزونات الطارئة في الأسواق. غير أن هذه الخطوة، رغم ضخامتها، لا تخلو من قيود: فالاحتياطيات القابلة للسحب محدودة، وتكلفة إعادة تكوينها في ظل الأسعار المرتفعة ستشكل عبئاً إضافياً على الموازنات العامة.
ولم تتأخر آثار ارتفاع الطاقة عن الظهور في مؤشرات التضخم. فقد توقّع صندوق النقد الدولي :
- أن يرتفع معدل التضخم العالمي إلى 4.4% في السيناريو الأساسي،
- وإلى 5.4% في السيناريو الأسوأ،
- وإلى ما يتجاوز 6% في السيناريو الحاد.
وفي الاقتصادات النامية،
- يُتوقع أن يرتفع التضخم من 4.2% في 2025
- و إلى 5.2% في 2026،
- مع ضغوط خاصة على أسعار الغذاء نتيجة لتعطل إمدادات الأسمدة.
وقد أوضح كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي أن الصدمة تنتقل عبر قنوات متعددة:
- فارتفاع أسعار السلع يرفع التكاليف،
- ويعطل سلاسل الإمداد،
- ويقوّض القوة الشرائية للأسر.
وهذا ما يضع البنوك المركزية أمام معضلة حقيقية:
- فرفع أسعار الفائدة لاحتواء التضخم يخاطر بإضعاف النمو،
- بينما الإبقاء عليها دون تغيير يسمح للضغوط السعرية بالترسخ.
وفي الأسواق المالية، أدى تفاقم أزمة المعروض النفطي إلى رفع أسعار الوقود عالمياً، الأمر الذي غذّى التضخم في الدول المستهلكة، ودفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ أزمة 2008 المالية، نتيجة المخاوف من تشديد السياسات النقدية.
وهكذا انتقلت الصدمة من سوق الطاقة إلى أسواق الدين، ثم إلى قرارات السياسة النقدية، في سلسلة متصلة من عدم اليقين.
وعلى صعيد النمو، خفّضت المؤسسات الدولية توقعاتها بشكل متكرر.
- فقد قدّر تقرير الأمم المتحدة “حالة الاقتصاد العالمي وآفاقه” أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.5% فقط في 2026، بانخفاض 0.2 نقطة مئوية عن توقعات يناير، وهو معدل يقل كثيراً عن المتوسطات السابقة للجائحة.
- وفي منطقة غرب آسيا تحديداً، يُتوقع أن يهبط النمو من 3.6% في 2025 إلى 1.4% في 2026، متأثراً ليس فقط بالصدمة الطاقية، بل أيضاً بالأضرار المباشرة للبنية التحتية وتعطل التجارة والسياحة.
- وتتحمل الاقتصادات الآسيوية العبء الأكبر من هذه الأزمة، نظراً لاعتمادها الشديد على النفط السعودي العابر لـ مضيق هرمز.
وفي الخاتمة
فقد أثبتت الأزمة أن الاحتياطيات الطارئة، مهما بلغ حجمها، ليست بديلاً عن استقرار الممرات وحماية البنية التحتية. كما أثبتت أن أي حلول جزئية، مثل زيادة المبيعات الفورية أو إعادة تشغيل جزئي للخط، قد تخفف الأثر عن دولة بعينها، لكنها لا تعالج الخلل البنيوي في منظومة الطاقة العالمية.
