مديرو الجامعات: حيث انتهى الآخرون

مديرو الجامعات: حيث انتهى الآخرون
بقلم: عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق بجامعة الملك عبدالعزيز
يمر التعليم في المملكة العربية السعودية بمرحلة تاريخية تتسارع فيها التحولات، وتتسع معها مسؤوليته في صناعة الإنسان، وإعداد الكفاءات، ودعم الاقتصاد المعرفي، وتعزيز تنافسية الوطن. وفي هذه المرحلة، لا يكفي تطوير اللوائح والهياكل والبرامج، بل ينبغي كذلك استثمار الخبرات المتراكمة التي أسهمت في بناء مؤسسات التعليم وتطويرها.
وكما يُقال: «خبرات الأولين مرآة للآخرين»؛ فالأجيال اللاحقة لا تبدأ من فراغ، وإنما تواصل البناء من حيث انتهى السابقون. وفي المعنى ذاته، تُنسب إلى ألبرت آينشتاين عبارة تقول: «المصدر الوحيد للمعرفة هو التجربة». وهذه العبارة، بصرف النظر عن اختلاف صيغ ترجمتها أو توثيق نسبتها، تلخص قيمة الخبرة حين تتحول إلى معرفة يستفيد منها الآخرون.
ومن هنا تبرز أهمية استفادة وزارة التعليم من القيادات الجامعية السابقة في مختلف جامعات المملكة، ولا سيما رؤساء الجامعات والوكلاء السابقين، ممن راكموا خبرات واسعة في الإدارة الأكاديمية، والحوكمة، والاعتماد والجودة، واستقطاب الكفاءات، والبحث العلمي، وبناء الشراكات، وتحسين كفاءة الإنفاق، والمواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
ولا تكمن قيمة هذه القيادات في المناصب التي شغلتها فحسب، بل في التجارب التي عاشتها، والتحديات التي تعاملت معها، والقرارات التي اتخذتها، والنجاحات والدروس التي يمكن أن تقدم لصانع القرار قراءة واقعية تساعد على اختصار الطريق وتجنب تكرار الأخطاء. فمديرو الجامعات السابقون يعرفون، بحكم التجربة، إلى أين وصلت مؤسساتهم، وأين يمكن أن يبدأ الآخرون.
وقد عرفت وزارة التعليم العالي سابقًا تجربة مهمة تمثلت في إنشاء مركز القيادة الأكاديمية لتطوير وتأهيل القيادات الأكاديمية، من مديري الجامعات والوكلاء والعمداء ورؤساء الأقسام. وكانت هذه التجربة تؤكد أن جودة المؤسسات التعليمية لا تنفصل عن جودة قياداتها، وأن إعداد القائد الأكاديمي ينبغي أن يتجاوز الخبرة التخصصية إلى مهارات التخطيط الاستراتيجي، وإدارة التغيير، وصناعة القرار، وبناء الفرق، وقياس الأداء.
ومن المهم اليوم البناء على تلك التجربة وتطويرها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية. فالمؤسسات التعليمية تعمل في بيئة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية والتنافس الدولي ومتطلبات الاستدامة. ولذلك ينبغي أن يصبح تطوير القيادات مسارًا مؤسسيًا مستمرًا، لا برنامجًا مؤقتًا يرتبط بمبادرة أو ظرف معين.
وهناك من التجارب الدولية ما يستحق الدراسة.
ففي المملكة المتحدة، يطرح Advance HE مسارات متدرجة لتطوير القيادات في التعليم العالي، تبدأ من القيادات الجديدة وتمتد إلى القيادات التنفيذية العليا، وتجمع بين التعلم المنظم وتبادل الخبرات وبناء الشبكات المهنية، بما يجعل تطوير القيادة جزءًا من استدامة المؤسسة لا نشاطًا منفصلًا [1].
وفي الولايات المتحدة، يقوم برنامج زملاء المجلس الأميركي للتعليم ACE على تجربة ميدانية في حرم جامعي آخر، ومرافقة قيادات عليا، والمشاركة في ملفات إدارية ومجالس وملتقيات قيادية، مع استمرار التواصل عبر شبكة خريجين تضم أكثر من 2500 خريج [2].
وتكشف التجربتان أن الاستفادة من الخبرات لا تتحقق بمجرد استضافة مسؤول سابق لإلقاء محاضرة، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التوجيه المباشر، والتعلم بالممارسة، وتوثيق التجارب، وتكوين شبكة مهنية، وإتاحة أدوار استشارية مستمرة للخبرات بعد انتهاء مسؤولياتها. وهذه عناصر يمكن تكييفها ضمن نموذج وطني سعودي يراعي خصوصية مؤسساتنا وأولوياتها.
ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال إنشاء مجلس وطني للخبرات والقيادات التعليمية، أو مركز متطور للقيادة الأكاديمية والتعليمية، تُستثمر فيه خبرات القيادات السابقة في تقديم المشورة، وتأهيل القيادات الجديدة، وتوثيق التجارب المؤسسية، وإعداد دراسات حالة وأدلة عملية في الحوكمة وإدارة الأزمات والتحول المؤسسي. كما يمكن أن يتولى هذا المركز بناء قاعدة معرفية تحفظ الخبرات والقرارات والتجارب الناجحة، بحيث تتحول المعرفة الشخصية إلى معرفة مؤسسية متاحة للأجيال القادمة.
ومن المفيد كذلك إشراك هذه القيادات في المجالس الاستشارية، ومراجعة الخطط الاستراتيجية، وبرامج إعداد القيادات، وورش العمل الموجهة إلى قيادات التعليم العام والتقني والمهني. فالتعليم منظومة متكاملة، وما ينجح في الجامعة من ممارسات في الجودة أو بناء القدرات أو إدارة التغيير قد يقدم دروسًا نافعة لمؤسسات التعليم كافة.
ولا تعني الاستفادة من القيادات السابقة العودة إلى الأساليب القديمة أو إحلال جيل محل جيل؛ بل تعني بناء جسور بين الخبرة والتجدد، وبين الحكمة والابتكار. فالقيادات الشابة تحتاج إلى من يشاركها التجربة، لا من يصادر قرارها، والقيادات السابقة تستطيع أن تقدم الرؤية والسياق والبدائل، بينما تتولى القيادات الحالية مسؤولية الاختيار والتنفيذ والمساءلة.
ولكي تحقق هذه المبادرة أثرها، ينبغي أن تقوم على معايير واضحة، من أبرزها اختيار الخبرات وفق الكفاءة والإنجاز والتخصص، وتحديد مجالات الاستفادة، وربط المشورة بمؤشرات أداء، وقياس أثر البرامج، وضمان التنوع المؤسسي والجغرافي، وإتاحة مشاركة الخبرات المتخصصة في المجالات الجديدة. كما ينبغي أن تكون العلاقة منظمة وشفافة، قائمة على أدوار محددة ونتائج قابلة للقياس، بعيدًا عن الطابع الاحتفائي أو الرمزي.
إن استثمار خبرات القيادات التعليمية السابقة ليس ترفًا إداريًا، بل خيار استراتيجي. فالجامعات السعودية تمتلك ثروة معرفية وإدارية لا ينبغي أن تبقى موزعة أو غير مستثمرة. وإذا نجحنا في تحويل الخبرة الفردية إلى معرفة مؤسسية، والتجربة الشخصية إلى منهج عمل، فإننا نضيف إلى منظومة التعليم موردًا وطنيًا مهمًا، ونمضي بثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.
إن مقترحي هذا لايعني الالتفات إلى الماضي، بل لاستثمار أفضل ما فيه من خبرات من أجل صناعة مستقبل أكثر كفاءة ومرونة وتنافسية. فالقيادات الجامعية السابقة ليست صفحة مطوية، بل شركاء محتملون في تطوير التعليم، ومصدر مهم لإعداد جيل جديد من القادة.
والله من وراء القصد.
كاتب رأي
مراجع مختصرة
[1]: Advance HE، القيادة في التعليم العالي
