كُتاب الرأي

الضربة الجوية السعودية

الضربة الجوية السعودية

شهادة على الحكمة الاستراتيجية والرؤية الشاملة

بقلم: د. عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز

شهدت الساحة الإقليمية في الشرق الأوسط مؤخراً تطوراً عسكرياً لافتاً، تمثل في ضربات جوية نفذتها القوات المسلحة السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، استهدفت مواقع تابعة لميليشيات موالية لإيران في العراق، تزامنت مع غارات أخرى على مواقع للحوثيين في اليمن.
هذه الضربات، التي جاءت بعد فترة طويلة من ضبط النفس الاستراتيجي، تعكس رؤية قيادية عميقة وحساباً استراتيجياً دقيقاً لمعادلة معقدة من التحديات الجيوسياسية.
إنها ليست ردة فعل عشوائية، بل قرار مدروس اتخذته القيادة السعودية بعد استيعاب كامل للواقع الإقليمي وتقييم شامل للسيناريوهات المحتملة.

لقد أظهرت المملكة العربية السعودية على مدى أشهر طويلة درجة عالية من الحكمة الاستراتيجية والنضج السياسي من خلال انتهاجها سياسة ضبط النفس المحسوبة ، ولم يكن هذا الصبر نابعاً من ضعف أو عجز، بل كان خياراً استراتيجياً واعياً يعكس فهماً عميقاً لديناميكيات الصراع الإقليمي.
فالقيادة السعودية أدركت أن التصعيد الفوري قد يؤدي إلى تداعيات غير محسوبة، وأن الحوار والدبلوماسية قد توفر فرصة حقيقية لاحتواء التوترات.
لذا، أبقت المملكة قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وأعطت الفرصة للحلول السلمية والدبلوماسية.

هذا النهج الحكيم يعكس فهماً متقدماً للقيادة السعودية لحقيقة أن الصراعات الإقليمية المعاصرة لا تُحل بالقوة وحدها، بل تتطلب توازناً دقيقاً بين الردع والحوار، بين الحزم والمرونة ، فالقيادة كانت تعلم أن هناك حداً فاصلاً بين الصبر الاستراتيجي والتنازل عن الحقوق الأساسية، وكانت تنتظر اللحظة المناسبة لتوضيح هذا الحد.

لقد كانت المملكة تراقب بدقة تطور الأحداث على الساحة الإقليمية، وتقيّم باستمرار مستويات التهديد والمخاطر. وعندما بدأت الهجمات تتصاعد بشكل منظم ومتزامن، أدركت القيادة أن نقطة التحول الاستراتيجية قد اقتربت. ففي غضون 72 ساعة فقط التي سبقت الضربات الجوية، شنت الميليشيات العراقية الموالية لإيران والحوثيون في اليمن معاً أكثر من ثلاثين هجمة بطائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، استهدفت بشكل مباشر القوات الأمريكية والمنشآت الحيوية في المملكة، بما في ذلك البنية التحتية النفطية.

لم تكن هذه الهجمات مجرد تصعيد عابر، بل كانت تشير إلى نمط واضح من التنسيق والتصميم على اختبار حدود صبر المملكة. وعندما أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على الملاحة السعودية عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو 75% من صادرات المملكة النفطية، أدركت القيادة أن هذا تهديد مباشر ليس فقط للأمن الوطني، بل للأمن الاقتصادي العالمي. في تلك اللحظة، أصبح واضحاً أن استمرار ضبط النفس قد يُفسَّر على أنه قبول بتكرار الاعتداءات، وهو ما لا يمكن قبوله.

وعندما اتخذت القيادة السعودية قرار الرد العسكري، كانت تفعل ذلك بناءً على حساب استراتيجي عميق يأخذ في الاعتبار عدة أبعاد:

أولاً: تأكيد السيادة والخطوط الحمراء

جاءت الضربات لتؤكد رسالة واضحة: أن أمن المملكة ومصالحها الحيوية خط أحمر لا يمكن تجاوزه. فهذه الرسالة موجهة ليس فقط للميليشيات، بل لجميع الأطراف الإقليمية والدولية. فالقيادة السعودية تريد أن توضح أنها لن تتوانى عن استخدام القوة للدفاع عن نفسها، لكن فقط بعد استنفاد جميع السبل الدبلوماسية.

ثانياً: الدقة في الاستهداف والحساسية السياسية

حرصت القيادة السعودية على أن تكون الضربات دقيقة ومحدودة، مستهدفة القدرات العسكرية للميليشيات وليس الدول نفسها. فالضربات في العراق لم تكن موجهة ضد الحكومة العراقية أو الشعب العراقي، بل استهدفت مستودعات عسكرية وقدرات للميليشيات. هذا التمييز الدقيق يعكس فهماً عميقاً للقيادة السعودية لتعقيدات المشهد السياسي العراقي، وحرصها على عدم تأجيج الصراع مع دول شقيقة.

ثالثاً: حماية الملاحة الدولية والمصالح العالمية

أدركت المملكة أن تهديد مضيق باب المندب والمنشآت النفطية ليس مجرد قضية وطنية، بل قضية عالمية تؤثر على الاقتصاد العالمي. لذا، كان الرد السعودي بمثابة رسالة للعالم بأن المملكة ملتزمة بحماية هذه الممرات الحيوية وضمان أمن الملاحة الدولية.
إن ما يميز القيادة السعودية في هذه اللحظة الحاسمة هو رؤيتها الاستشرافية والقدرة على توقع السيناريوهات المحتملة. فالقيادة لم تتخذ قرار الضربات بسطحية، بل بالتأكيد بعد دراسة معمقة للسيناريوهات المختلفة:

السيناريو الأول: الاحتواء المحدود

تأمل المملكة في أن تؤدي الضربات إلى ردع الميليشيات عن مواصلة هجماتها، وإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات. هذا السيناريو يعكس الرغبة السعودية الحقيقية في تجنب صراع إقليمي أوسع، والحفاظ على قنوات الحوار.

السيناريو الثاني: التصعيد المحسوب

كما تدرك القيادة السياسية والعسكرية في المملكة أن الميليشيات قد ترد بضربات انتقامية، لكنها بعون الله آولاً ثم بحكمة وحنكة القيادة السعودية مستعدة لهذا السيناريو وقادرة على التعامل معه بحكمة وحزم. فالقيادة لم تدخل هذه المواجهة بدون استعداد عسكري وسياسي شامل.

السيناريو الثالث: إعادة التموضع الإقليمي

وقد تؤدي الضربات إلى إعادة تقييم الأطراف الإقليمية والدولية لاستراتيجياتها، مما قد يفتح آفاقاً جديدة للتعاون والتحالفات. وعند ذلك لكل حادث حديث

إن الرؤية الشاملة التي أظهرتها القيادة السعودية في هذه الأزمة تعكس استفادتها واستثمارها للفكر المستنير والتحليل العميق المتمثل في قطاعاتها الاستراتيجية المختلفة والمتنوعة كشأن مراكز التفكير والمؤسسات البحثية التي تلعب دوراً محورياً في دعم صناع القرار بالمعلومات والتحليلات المتقدمة. وفي السياق الراهن، يمكن القول بثقة أن القيادة السعودية استفادت من:

• التحليلات العميقة للأسباب الجذرية: فهم شامل للعوامل التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الصراعات الإقليمية.
• استراتيجيات الردع الشاملة: نهج متعدد الأوجه يتجاوز البعد العسكري ليشمل الأبعاد الدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية.
• السيناريوهات المستقبلية المتقدمة: توقع مسارات الصراع المختلفة وتقييم تداعياتها.
• الحلول الدبلوماسية المبتكرة: البحث عن مسارات جديدة للحوار والتفاوض.

هذا يؤكد أن القيادة السعودية لا تتحرك بناءً على الحدس أو الارتجال، بل بناءً على رؤية استراتيجية شاملة مدعومة بالبحث العلمي والتحليل المتقدم.

إن ما أظهرته المملكة العربية السعودية من خلال هذه الضربات الجوية هو نموذج متقدم للقيادة الاستراتيجية. فالقيادة لم تختر بين الصبر والرد، بل جمعت بين الحكمة والحزم، بين الحوار والردع. وهذا يعكس فهماً عميقاً لحقيقة أن الأمن والاستقرار الإقليمي لا يُحققان بالقوة وحدها، بل بمزيج متوازن من الحكمة الاستراتيجية والقوة العسكرية والدبلوماسية الفعالة.

إن المملكة العربية السعودية، من خلال هذه الخطوة، تؤكد أنها ليست مجرد قوة إقليمية، بل قوة استراتيجية تمتلك الرؤية والقدرة على التعامل مع التحديات المعقدة بحكمة وحنكة.
وهذا ما يجب أن يفهمه كل مراقب للأحداث الإقليمية: أن القيادة السعودية تتحرك بناءً على حساب استراتيجي عميق، وليس بناءً على ردود فعل عاطفية أو مرتجلة.

والله غالب على أمره .

كاتب رأي

 

 

 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.