كُتاب الرأي

سون تزو في مواجهة القرن الحادي والعشرين 2

سون تزو في مواجهة القرن الحادي والعشرين

هل ينتصر الأميركي أو الإيراني بلا قتال؟

الجزء الثاني

عصام يحيى الفيلالي

عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز

الولايات المتحدة وإيران:
صراع الإرادات لا صدام الجيوش فقط
منذ الثورة الإيرانية عام 1979، اتسمت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران بالعداء وانعدام الثقة، مع فترات متقطعة من التفاوض والاتصال غير المباشر.
وقد استخدمت واشنطن، على امتداد عقود،
  • مزيجًا من العقوبات
  • والضغط الدبلوماسي
  • والوجود العسكري
  • ودعم الحلفاء الإقليميين.
وفي المقابل بنت إيران جزءًا من استراتيجيتها على
  • تطوير وسائل ردع غير متماثلة،
  • وعلى توسيع شبكة علاقاتها المسلحة والسياسية في المنطقة،
  • وعلى جعل أي هجوم مباشر عليها محفوفًا بتكاليف تتجاوز حدود أراضيها.2
هنا يظهر المبدأ السونتزي الأول:
تحقيق الهدف من دون خوض الحرب الشاملة.
فليس الهدف الأميركي الواقعي، في كل مرحلة،
احتلال إيران أو إعادة تشكيلها بالقوة المباشرة،
كما أن الهدف الإيراني ليس بالضرورة
هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا في مواجهة مفتوحة.
الأرجح أن غاية كل طرف هي دفع الآخر إلى تعديل حساباته:
  • واشنطن تريد تقييد البرنامج النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي الإيراني،
  • وطهران تريد تخفيف الضغط الاقتصادي،
والحفاظ على قدرتها على الردع،
ومنع خصومها من فرض شروطهم عليها.
بهذا المعنى يصبح النصر عبارة عن إكراه سياسي:
أن يقتنع الخصم بأن كلفة الاستمرار في موقفه أعلى من كلفة التراجع عنه.
ولا يحتاج هذا النوع من النصر إلى رفع العلم فوق عاصمة الخصم؛
  • فقد يتحقق عبر اتفاق،
  • أو تنازل متبادل،
  • أو تغيير في قواعد الاشتباك،
  • أو قبول ضمني بحدود جديدة للحركة.
الخداع المتبادل وإدارة الغموض
يظهر مبدأ الخداع في التلويح بالقوة مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.
قد تحشد الولايات المتحدة قواتها أو ترفع منسوب تهديدها العسكري لتقوية موقعها على طاولة التفاوض،
بينما تؤكد في الوقت نفسه أن الدبلوماسية ما زالت ممكنة.
وقد ترفع إيران منسوب خطابها الصاروخي والنووي،
أو تلوّح بأوراقها الإقليمية والملاحية،
بينما تترك قنوات التفاوض مفتوحة كي لا تتحول الضغوط إلى حرب لا تستطيع التحكم في مسارها.
لكن من المهم ألا نخلط بين
الغموض الاستراتيجي
والخداع الناجح.
فالغموض قد يردع الخصم، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى سوء تقدير.
وكلما طالت لعبة الإشارات والتهديدات، زاد احتمال أن يقرأ أحد الطرفين رسالة الآخر بطريقة خاطئة،
فيتحول الضغط المحسوب إلى تصعيد غير محسوب.
وهذه إحدى حدود إسقاط أفكار سون تزو على العصر النووي:
ففي زمن الأسلحة بعيدة المدى، قد لا تمنح المعركة فرصة ثانية لتصحيح الخطأ.
العقوبات والوكلاء: حصار بلا أسوار
تمثل العقوبات الاقتصادية صورة حديثة من صور الحصار. فهي لا تحاصر مدينة بأسوار وجنود،
بل تحاصر قدرة الدولة على بيع مواردها،
وتحويل أموالها،
والحصول على التكنولوجيا،
والتعامل مع النظام المالي الدولي.
وقد كانت العقوبات عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران، ولا سيما بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015 عام 2018 وإعادة فرض عقوبات واسعة.2 3
غير أن الحصار الاقتصادي لا يعمل في فراغ.
فهو قد يضعف الاقتصاد، لكنه لا يضمن وحده تغيير السلوك السياسي. وقد يدفع الدولة المستهدفة إلى
البحث عن
  • مسارات التفاف،
  • وتوسيع علاقاتها مع قوى دولية أخرى،
  • والاعتماد على اقتصاد أكثر غموضًا،
  • أو توظيف الضغط الخارجي في تعبئة الداخل.
لذلك فإن العقوبات تكون أكثر فاعلية حين تقترن بهدف سياسي محدد، ومسار تفاوضي واضح، وإمكانية واقعية لرفعها إذا غيّر الطرف الآخر سلوكه.
أما إيران، فقد اعتمدت على شبكة من الحلفاء والشركاء والفاعلين المسلحين في الإقليم لتوزيع الضغط بعيدًا عن أراضيها.
وهذا لا يعني أن كل طرف إقليمي يتحرك بصورة آلية أو أنه مجرد أداة، فلكل فاعل حساباته المحلية الخاصة؛
لكنه يعني أن الصراع الأميركي الإيراني اتخذ، في مراحل كثيرة، شكلًا غير مباشر تتوزع فيه المخاطر على ساحات متعددة.
وقد وثقت تقارير تحليلية رسمية وأكاديمية اتساع دور الجماعات المدعومة من إيران في العراق ولبنان واليمن وسورية، وربطت ذلك بمحاولات طهران تعزيز نفوذها والرد على الضغوط المفروضة عليها.2 4
معرفة نقاط الضعف
يقتضي إسقاط سون تزو على الصراع الأميركي الإيراني تحديد مواطن القوة والضعف لدى الطرفين من دون الوقوع في التبسيط.
فالولايات المتحدة تملك
  • تفوقًا عسكريًا
  • وماليًا وتكنولوجيًا هائلًا،
  • وشبكة تحالفات واسعة،
  • وقدرة كبيرة على فرض عقوبات مؤثرة.
لكنها تواجه، في المقابل،
حساسية داخلية تجاه الحروب الطويلة،
وكلفة سياسية لأي انتشار عسكري واسع،
ومخاطر اتساع الصراع إلى حلفائها وقواعدها ومصالحها الاقتصادية.
أما إيران فتملك
  • عمقًا جغرافيًا وسكانيًا،
  • وخبرة طويلة في العمل غير المتماثل،
  • وأوراقًا جيوسياسية مهمة، من بينها موقعها القريب من ممرات الطاقة، ولا سيما مضيق هرمز.
لكنها تواجه
اقتصادًا هشًا تحت ضغط العقوبات،
وصعوبات في الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمار، وتحديات داخلية واجتماعية،
إضافة إلى أن توسيع شبكة الجبهات قد يمنحها قدرة على الإزعاج والردع،
لكنه قد يرفع أيضًا احتمال تعرضها لضربات مباشرة.
ومن منظور سون تزو،
لا تكمن المسألة في عدد الصواريخ أو حجم الأسطول فقط، بل في قدرة كل طرف على تحويل موارده إلى إرادة سياسية قابلة للاستمرار.
فالقوة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها من دون تحمل كلفة باهظة تصبح قوة مقيدة،
والضعف الذي يحسن صاحبه إدارته قد يتحول إلى مصدر مناورة.
كما يظل الزمن من أهم عناصر الصراع.
حيث تراهن الولايات المتحدة على أن يؤدي الضغط المتراكم إلى تغيير الحسابات الإيرانية،
بينما تراهن إيران على أن يؤدي مرور الوقت إلى
  • تراجع الحماسة الأميركية،
  • أو تغير الأولويات،
  • أو تبدل الإدارة،
  • أو ظهور وسيط دولي أكثر استعدادًا لتقديم تسوية.
وكلا الرهانين قابل للنجاح والفشل في آن واحد.
غير أن سون تزو يحذر من الحرب الطويلة لأنها تستنزف الدولة،
وهذه الفكرة لا تنطبق على الجيوش وحدها.
فالمواجهة الممتدة تستنزف الاقتصاد الإيراني،
لكنها تستنزف كذلك المصداقية الأميركية،
وتزيد مخاطر الانقسام بين الحلفاء،
وتفتح المجال أمام قوى أخرى لاستثمار الفوضى.
وفي الصراعات المركبة لا يكون الطرف الرابح
هو من يصمد أكثر فحسب،
بل من يحدد إيقاع الصراع،
ويعرف متى يرفع الضغط
ومتى يترك للخصم مخرجًا يحفظ ماء الوجه.
هل ينطبق سون تزو على الصراع الأميركي الإيراني؟
الإجابة الأدق هي:
ينطبق بوصفه إطارًا للتحليل،
لا بوصفه قالبًا جاهزًا للتفسير.
فالتشابه واضح في
أولوية التخطيط،
وإدارة المعلومات،
واستغلال نقاط الضعف،
وتجنب الحرب المكلفة،
واستخدام أدوات غير مباشرة.
لكن الواقع المعاصر أكثر تعقيدًا من النموذج العسكري القديم؛ إذ تتدخل فيه
الرأي العام،
والأسواق العالمية،
والإعلام الرقمي،
والقانون الدولي،
والوكالة الدولية للطاقة الذرية،
والحلفاء،
والجماعات المسلحة،
ومخاطر الانتشار النووي.
ومن ثم فإن القول إن المقاربة الإيرانية «ترجمة حرفية» لسون تزو، أو إن العقوبات الأميركية هي ببساطة «حصار حديث»، ينطوي على قدر من المبالغة.
التشبيه مفيد إذا كشف منطق الضغط والاستنزاف،
لكنه يصبح مضللًا إذا محا الفوارق بين سياقات تاريخية مختلفة، أو تجاهل استقلالية الفاعلين الإقليميين، أو افترض أن كل خطوة محسوبة وفق خطة واحدة محكمة.
يبقى الدرس الأهم في «فن الحرب»
أن القوة ليست في خوض أكبر عدد من المعارك،
بل في صناعة وضع يجعل المعركة غير ضرورية.
وفي الصراع الأميركي الإيراني، لا يبدو النصر الكامل ممكنًا عبر الإخضاع المطلق؛
فكل طرف يملك من الأوراق ما يكفي لمنع الطرف الآخر من تحقيق هدفه بأقل كلفة.
لذلك فإن استمرار الضغط من دون مسار سياسي قد يحول الصراع إلى طاحونة تستنزف الجميع،
بينما قد تفتح المفاوضات المدروسة بابًا لتسوية لا تمنح أحد الطرفين كل ما يريد، لكنها تمنع الجميع من دفع ثمن ما لا يريد.
القائد السياسي الأكثر حكمة
  • ليس من يرفع سقف التهديد إلى أقصاه،
  • بل من يعرف متى يكون التهديد أداة تفاوض،
  • ومتى يتحول إلى فخ،
  • ومتى يصبح الجلوس إلى الطاولة انتصارًا لا تراجعًا.
فإذا كان سون تزو قد رأى أن أعظم انتصار هو الذي يتحقق بلا قتال، فإن الدرس المعاصر يضيف أن أعظم مهارة سياسية هي منع صراع قابل للاحتواء من التحول إلى حرب لا يملك أحد ضمان نهايتها.

كاتب رأي 

أهمً المراجع والمصادر ذات الصلةً:
[1] سون تزو، «فن الحرب»، ترجمة ليونيل جايلز، Internet Classics Archive / MIT.
الرابط المباشر: https://classics.mit.edu/Tzu/artwar.html
[2] Congressional Research Service، «Iran: Background and U.S. Policy».
الرابط المباشر: https://www.congress.gov/crs-product/R47321
[3] Council on Foreign Relations، «What Is the Iran Nuclear Deal?».
الرابط المباشر: https://www.cfr.org/backgrounders/what-iran-nuclear-deal
[4] Council on Foreign Relations، «Iran’s War With Israel and the United States».
الرابط المباشر: https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/confrontation-between-united-states-and-iran

 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.