توصية في خضم عملية فجر اليمن .

توصية في خضم عملية فجر اليمن .
رؤية تحليلية عسكرية .
الاثنين الموافق ( 5 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( في العمليات الكبرى ، لا يكفي أن تنتزع المبادأة ؛ الأهم أن تحافظ عليها ، وأن تحمي خطتك ، وتؤمن ما استعدته ، ثم تستثمر نجاحك قبل أن يستعيد الخصم توازنه . )
دخلت معركة اليمن مرحلة جديدة مع انطلاق عملية فجر اليمن ، في إطار العمليات العسكرية الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة . وحين يعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن القوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية تنفذ مهامها وفق الخطط المعتمدة ، فإن القراءة المهنية لا ينبغي أن تتعلق بأخبار الساعات ، بل بالغاية والمراحل والجهد الرئيسي والاحتياط والإسناد واستمرار القدرة على القتال .
وفي خضم هذه العملية ، يمكن اختصار التوصية المركزية في معنى واحد : حافظوا على المبادأة حتى تبلغ العملية غايتها . وتتفرع من هذه التوصية خمس قواعد عملياتية جديرة بالتوقف عندها .
أولا : احموا المعلومة والخطة والاتصالات .
إن أمن العمليات والمعلومات والاتصالات ليس مجرد إجراءات إدارية ؛ بل منظومة متكاملة لحماية القوة والخطة والمعلومة . وفي معركة متحركة ، قد تكشف صورة واحدة أو مقطع فيديو أو اتصال غير منضبط أو معلومة عابرة ما لا ينبغي للخصم معرفته عن المواقع أو التحركات أو الانتشار أو التوقيت أو القدرات .
ولهذا فإن منع تصوير العمليات والتحركات والمواقع والتمركزات والقدرات ، وعدم نشرها أو تداولها ، والتقيد الصارم بتعليمات أمن العمليات والمعلومات والاتصالات ، مسؤولية فردية وجماعية تقع على كل مشارك في العمليات ، وليست مسؤولية القيادة وحدها . والصمت العملياتي المنضبط لا يعني غياب الإنجاز ، بل قد يكون أحد شروطه .
وفي المقابل ، ينبغي توقع أن توظف عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة أدوات الدعاية والتضليل ، بما فيها الإشاعة والمعلومة المبتورة والمقطع القديم أو المزيف أو المنتزع من سياقه ، وقد تأخذ هذه الأنشطة صورة الدعاية السوداء التي تتعمد إخفاء مصدرها الحقيقي أو انتحال مصدر آخر ، أو الدعاية الرمادية التي يبقى مصدرها غير واضح أو غير موثوق على نحو كامل .
وفي بيئة كهذه قد تنشط شبكات وحسابات لنشر الإشاعة والتضليل ؛ تعيد تدوير المقاطع ، وتضخم التقدم أو الخسائر ، وتخلط الصحيح بالمفبرك ، بما يربك الإدراك العام ويؤثر في المعنويات . ولذلك لا ينبغي التعامل مع سرعة انتشار المادة بوصفها دليلا على صحتها .
ولهذا توزع المعلومات وفق مبدأ الحاجة إلى المعرفة ، وتبقى البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية المخولة المرجع في إعلان سير العمليات ونتائجها . أما كل صورة أو تسجيل أو خبر مجهول المصدر ، فلا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة ميدانية لمجرد سرعة انتشاره .
ثانيا : أمّنوا الأرض الحاكمة وخطوط الإمداد .
طبيعة القتال في تعز والساحل الغربي ومحيط باب المندب تعيد التأكيد على قاعدة عسكرية راسخة : ليست قيمة الأرض في مساحتها فقط ، وإنما فيما تتيحه من مراقبة ومناورة وسيطرة على طرق الاقتراب والمواصلات .
ويضيف التطور الميداني في ذوباب ومحيط باب المندب دلالة مهمة إلى هذه القاعدة . فإعلان القوات اليمنية استعادة مديرية ذوباب ومواقع استراتيجية في محيط المضيق لا ينبغي أن يقرأ بوصفه مجرد تغير جديد في خريطة السيطرة ؛ بل من زاوية القيمة العملياتية لهذه المنطقة وصلتها بالأرض الحاكمة وطرق المواصلات والإمداد .
ومن هنا لا يكفي تحرير موضع ثم الاندفاع عنه . يجب أن يسير التحرير والتثبيت والتأمين في نسق واحد ؛ لأن خط الإمداد الذي لا يؤمّن ، والجناح الذي يترك مكشوفا ، والأرض الحاكمة التي لا يحتفظ بها ، قد تتحول إلى عبء بدلا من أن تكون مكسبا .
ثالثا : حافظوا على زخم وإيقاع العمليات دون بلوغ الذروة العملياتية مبكرا .
السرعة في العمليات ليست استعجالا ، كما أن التوقف غير الضروري ليس حذرا . المطلوب هو المحافظة على إيقاع العمليات وزخمها بصورة متوازنة ، من غير أن تتقدم القوة أسرع من قدرتها على الإمداد والإسناد والحماية والتعويض .
فالاندفاع الذي يؤدي إلى استطالة خطوط الإمداد ، ويستهلك القوة والذخيرة والاحتياط ، قد يقود إلى الذروة العملياتية ؛ أي النقطة التي تبدأ عندها قدرة الهجوم على الاستمرار بالتراجع ، وقد تنتقل عندها المبادأة إلى الطرف الآخر .
والقائد الناجح لا ينتظر بلوغ الذروة ليكتشفها ؛ بل يقرأ مقدماتها في استهلاك القوة ، وتباطؤ الإمداد ، واتساع الجبهة ، وتراجع القدرة على التعويض .
رابعا : الاحتياط أداة القائد للاحتفاظ بحرية العمل .
الاحتياط ليس قوة تنتظر ؛ بل أداة القائد للاحتفاظ بحرية العمل والتأثير في اللحظة الحاسمة . ففي المعارك المتحركة قد تظهر متغيرات لم تكن متوقعة ، أو يحتاج الجهد الرئيسي إلى دعم إضافي ، أو تبرز ضرورة معالجة موقف طارئ .
ومن هنا تظهر قيمة الاحتياط المرن في المحافظة على قدرة القيادة على التعامل مع المفاجأة ، واستمرار التوازن بين الجهد الرئيسي ومتطلبات بقية المحاور .
خامسا : إذا ظهرت مؤشرات تراجع تماسك الخصم ، فاستثمروا النجاح .
عندما يفقد الخصم أرضا حاكمة ، وتتراجع قدرته على القيادة والسيطرة ، ويضطرب إمداده ، وتتعرض احتياطاته للضغط ، يصبح الوقت عاملا بالغ الأهمية في حسابات الطرفين .
فالوقت قد يسمح بإعادة تنظيم القوات واستعادة قدر من التوازن . ولذلك فإن استثمار النجاح لا يعني الاندفاع غير المحسوب ؛ بل يعني المحافظة على المبادأة ضمن حدود الخطة وقدرة القوات على الإدامة والتثبيت .
وما يرد من تطورات ميدانية في ذوباب ومحيط باب المندب يعيد التذكير بهذه الحقيقة : استعادة الأرض ليست نهاية العمل ؛ فقيمة النجاح تقاس أيضا بالقدرة على تثبيته وتأمينه والمحافظة عليه .
وهنا تصبح القاعدة الأدق :
لا تحرقوا المراحل ، ولكن لا تمنحوا الخصم زمنا يستعيد فيه توازنه .
وفي موازاة ذلك كله ، تبقى جبهة المعلومات والمعنويات ميدانا موازيا للقتال ؛ فالإشاعة والمقطع المجتزأ أو المزيف قد يصنعان انطباعا لا يعكس حقيقة الميدان . ولذلك لا ينبغي أن ترتفع المعنويات إلى حد الوهم عند كل تقدم ، ولا أن تنهار عند كل تراجع تكتيكي .
اقرأوا اتجاه المعركة ، لا تقلباتها الآنية .
والسؤال العسكري الأهم ليس فقط : من يسيطر الآن على هذا الموقع أو ذاك ؟
بل : من يحتفظ بالمبادأة ؟ ومن يسيطر على الأرض الحاكمة ؟ ومن يحافظ على القيادة والسيطرة والاتصالات والإمداد ؟ ومن يملك الاحتياط ؟ ومن يستطيع تعويض خسائره ومواصلة القتال وفرض إرادته على الآخر ؟
هذه هي القراءة العسكرية الأعمق لعملية بحجم فجر اليمن .
والتوصية في خضم عملية فجر اليمن واضحة : احموا المعلومة والخطة والاتصالات ، ولا تجعلوا وسائل الاتصال الشخصية نافذة تكشف ما ينبغي أن يبقى محميا بأمن العمليات . أمّنوا ما تحقق من مكاسب ، وحافظوا على تماسك القوة وإدامتها وزخم العمليات ، وأبقوا الاحتياط قادرا على التأثير في اللحظة الحاسمة . وإذا ظهرت مؤشرات تراجع تماسك الخصم ، فاستثمروا النجاح في إطار الخطة وقدرة القوات على الإدامة والتثبيت . لا تحرقوا المراحل ، ولا تمنحوا الخصم زمنا يستعيد فيه توازنه ؛ وحافظوا على المبادأة وزخم العمليات حتى تبلغ عملية فجر اليمن غايتها ، ويكتب الله لليمن وأهله نصرا مبينا ، تستعاد به الدولة ومؤسساتها ، وتطوى به صفحة الانقلاب والإرهاب إلى غير رجعة .
