كُتاب الرأي
لماذا نعلّم أبناءنا أمثلة قد لا تصلح لزمننا؟

لماذا نعلّم أبناءنا أمثلة قد لا تصلح لزمننا؟
بدر بن سالم
أذكر أن أبي كان يردد مقولة: «الأسد لا يأكل العشب ولو مات جوعًا»، وكانت تلك المقولة نبراسًا لحياتي. تعلمت منها الأنفة والعزة، وأصبحت أؤمن بأن الإنسان يموت واقفًا خيرًا من أن يعيش منكس الرأس.
في معترك الحياة عانيت كثيرًا؛ بين أبواب الوزارات، وملفات التوظيف، وطول الانتظار، حتى أصبحت حياتي قائمة على قواعد من الصبر والأنفة وتحمل المشقة. لكنني أدركت مع مرور السنين أن لكل زمن أدواته، وأن الحكمة وحدها لا تكفي ما لم يصاحبها فهم للواقع.
فالكاتب اليوم لا يكفيه أن يكتب رواية جيدة، بل عليه أن يسوّق لها ويتعب في إيصالها إلى القارئ، حتى لا تبقى حبيسة الأدراج محرومة من عين القارئ وقلبه. والزمن الذي نعيشه أصبح يعتمد كثيرًا على الصيت والظهور، حتى غدا الاسم المعروف يفتح أبوابًا قد لا تفتحها المعرفة وحدها، ولا الشعر، ولا الكتب، ولا الحكم المتراكمة في الصدور.
إن الابتسامة والكلمة الجميلة لا تزالان نافعتين، لكن أثرهما أصبح أقل مما كان عليه في بعض المواضع، لأن الناس باتوا يلتفتون إلى الشهرة قبل الجوهر، وإلى الصورة قبل الحقيقة.
ومع ذلك، تبقى للكلمة سلطتها الخفية التي لا يراها كثير من الناس.يُحكى أن الحجاج بن يوسف الثقفي، المعروف بشدته، أُتي إليه بعبد الله بن معمر اليشكري، وكان الحجاج قد قرر قتله. فلما مَثُل بين يديه، طلب الشاعر أن يمهله ليقول أبياتاً، فأذن له الحجاج، فأنشد قصيدة بليغة ومؤثرة، مطلعها:
أَلا أَيُّها القاضي بِكَوفانَ نَظرَةً
تُداوي بِها قَلباً مِنَ الوَجدِ مُثقَلا
استمر الشاعر في قصيدته يصف حاله، ويستعطف الحجاج، ويظهر ضعفه وحاجته، ومما جاء في القصيدة:
فَإِنَّكَ إِن تُقتَل فَما مِن خَليفَةٍ
يُقيمُ لَنا حَقاً وَيَعدِلُ مَيلا
وَلَكِن رُدَّ هَذا الأَمرَ عَنّا فَإِنَّنا
نَرى النورَ في وَجهِ الحَجّاجِ مَنزِلا
فلما سمع الحجاج هذه الأبيات، تأثر بها تأثراً شديداً، فبكى (أو رقّ قلبه)، وقال لمن حوله: “ألا إنها والله لحِكمة”، ثم عفا عنه وأطلق سراحه، بل وأحسن إليه.
وقد صدق القائل:
ولقد خدعتُه بخدعةٍ لم يأتِ بها أحدٌ
والحرُّ يخدعُه الكلامُ الطيبُ
ومن هنا أقول: ليس الخطأ في الأمثال التي ورثناها، فالعزة عزة، والكرامة كرامة، والصبر صبر في كل زمان. ولكن الخطأ أن نغرس في أبنائنا نصف الحكمة ونترك نصفها الآخر.
علّموا أبناءكم أن يكونوا أعزاء، لكن علّموهم كذلك فن التواصل. علّموهم ألا يبيعوا كرامتهم، لكن علّموهم كيف يصنعون أسماءهم. علّموهم الصبر، لكن علّموهم السعي. علّموهم أن الأسد لا يأكل العشب، ولكن علّموهم أيضًا كيف يصطاد.
فنحن من نبني الأساس، وإذا مال البناء يومًا أو سقط، فغالبًا أن الخلل بدأ من حجرٍ وُضع في غير موضعه. والأجيال لا تحتاج إلى حكم الماضي وحدها، ولا إلى أدوات الحاضر وحدها، بل تحتاج إلى مزجٍ حكيم بين الاثنين؛ جذورٌ ثابتة في الأرض، وأغصانٌ تعرف كيف تواجه رياح العصر.
