كُتاب الرأي

الكذّاب الذي نحتاجه

الكذّاب الذي نحتاجه

حين تصبح الحكاية أجمل من الحقيقة

بدر بن سالم 

هلووووو…
هل تعلم أن العالم كله ينادي حبيبة مخترع الهاتف كلما رفع سماعة الهاتف؟
أكره قصص الحب جداً، إلى أن وجدت قصة عبقري أحب امرأة، فقرر أن يجعل جهازاً صامتاً ينطق، وأن يجعل الصوت يقطع المسافات من أجلها.
غراهام بيل، العبقري الذي حاول أن يجعل المستحيل ممكناً، أحب مابيل هوبارد. تخيلوا المشهد: رجل يحاول أن يستخرج صوتاً من جهاز لا صوت فيه، وامرأة تراقب محاولاته وتواسيه، وهي لا تعلم هل سينجح يوماً أم سيظل أسير فكرة مستحيلة.
ويقال في حكاية لا أجد لها مصدراً تاريخياً إن صرخته الأولى كانت: «هلوووو»، فخلّد العالم نبرة حبيبته في ذاكرته، وصار يناديها ملايين البشر كل يوم!
يا لها من قصة حب!
لكن انتظروا… فالحقيقة لها رأي آخر.
زوجة غراهام بيل اسمها مابيل هوبارد بيل، وليست هلو. أما كلمة Hello فلم تكن اسم حبيبته، وإنما ارتبط انتشارها بالهاتف بعد أن اقترح توماس إديسون استخدامها للتحية عند بدء المكالمات، بينما كان بيل يفضّل كلمة Ahoy.
يا العرب، ما أحب من بعد قيس إلا المحاكم وأقسام الشرطة! الغرب يحب يا عزيزي، ويترك لك مساحة لتتخيل، أما نحن فنبحث أحياناً عن نهاية القصة في محضر الشرطة!
ثم إن قصة اختراع الهاتف نفسها ليست بهذه البساطة؛ فقد سبق الإيطالي أنطونيو ميوتشي إلى تجارب نقل الصوت، ولم يتمكن من الحصول على براءة اختراع كاملة، بينما حصل بيل على البراءة التي ارتبط بها اسمه. وهكذا قد يدخل التاريخ من استطاع أن يوثق اختراعه ويحميه، لا بالضرورة من بدأ الفكرة أولاً.
وهذا يقودني إلى أمر آخر: نحن لا نحب الحقيقة دائماً، بل نحب الرواية التي تجعل الحقيقة محتملة.
الصين، مثلاً، ارتبط اسمها باختراع الورق وتطوير صناعته قبل قرون طويلة من وصوله إلى العالم الإسلامي وأوروبا. ومع ذلك، كم من حضارة تملك من العلوم والمعارف ما لا نعرفه عنها؟ وكم من أمة احتفظت بأسرارها، أو لم تنجح في نقل منجزاتها إلى الآخرين؟
والتاريخ الإسلامي أيضاً فيه حكايات تستحق التوقف؛ فقد واجهت الطباعة في بعض مراحل التاريخ العثماني اعتراضات وقيوداً، وتناقل الناس روايات عن تحريم آلة الكتابة والطباعة. لكن علينا أن نفرّق بين موقف تاريخي محدد وبين حكم عام على أمة كاملة؛ فالمسألة أعقد من حكاية مختصرة.
حتى القهوة، التي نشربها اليوم ونستقبل بها ضيوفنا، عرفت في تاريخها اعتراضات ومنعاً في بعض المجتمعات الأوروبية والإسلامية. وتُروى حكايات عن تسميتها بخمرة المسلمين، وعن ارتباط الخلاف حولها بالخمر. لكن الحكايات التاريخية تحتاج إلى مصادر، لا إلى جمال العبارة وحده.
كنت أتعجب وأنا أقرأ عن المخترعين والأدباء، وكيف تختبئ خلف الإنجازات حكايات شخصية لا تقل غرابة عن الاختراع نفسه.
تأملوا ألبرت أينشتاين؛ فقد ورد في اتفاق طلاقه من زوجته الأولى ميلفا ماريتش بند يتعلق بجائزة نوبل المالية التي قد يحصل عليها مستقبلاً، وبالفعل حصل عليها بعد ذلك. تخيلوا أن جائزة لم يكن قد نالها بعد أصبحت جزءاً من اتفاق الطلاق!
ثم تزوج إلسا، ودارت حياته في مسارات أخرى. وهنا لا أريد أن أختلق قصة حب أو أضيف بطولة لم تحدث، لكنني أتوقف عند الإنسان الذي نعرفه من خلال إنجازه، وننسى أن خلف كل عقل عظيم حياة مليئة بالتنازلات والاختيارات والتعقيدات.
والآن دعوني أنتقل إلى حكاية أقرب إليّ.
أذكر أنني قرأت في مخطوطة وجدتها عند شيخ فقير، رحمه الله، عن أسرار الآيات وجلب الرزق. عكفت على قراءتها سنوات، ولا أزال في ضيق الحال، والشيخ نفسه كان فقيراً حتى وفاته.
لماذا نبحث عن مثل هذه القصص؟
لأن الإنسان حين تضيق به الحياة يبحث عما يهوّن مصيبته، ويمنحه أملاً سريعاً. يريد آية تفتح له أبواب الرزق، أو دعاءً ينزل المال كما ينزل المطر، أو سرّاً لا يعرفه الآخرون.
وأنا لا أحارب الإيمان، ولا أقلل من شأن القرآن والأحاديث، حاشا لله. لكنني أقول إن الوعي يقتضي ألا ننسب إلى الدين ما لم يقله الدين.
لا يوجد حديث صحيح يقول إن المال سينزل عليك من السماء كالمطر بمجرد قراءة آيات معينة. إنما يسخر الله لك الأسباب، ويفتح لك الأبواب، ويرزقك من حيث لا تحتسب.
لقد جعل الله لكل شيء سبباً، فاسعَ في السبب، وخذ بالأسباب، واستعن بالله، ولا تجعل انتظار المعجزة يعطلك عن العمل.
اعمل كالنقطة على الصخرة؛ لا تقسمها بقوة سقوطها، بل بتكرار سقوطها.
أعود إلى عنواني: «العنوان الكذّاب الذي نحتاجه».
ربما نحتاج أحياناً إلى حكاية جميلة، إلى قصة حب تجعلنا نبتسم، أو قصة نجاح تجعلنا ننهض من مقاعدنا، لكننا لا نحتاج إلى أن نصدق كل ما نسمع.
ليس كل ما يواسينا حقيقة، وليس كل حقيقة مريحة.
والفرق بين الإنسان الواعي وغيره أنه يستطيع أن يستمتع بالحكاية، ثم يسأل: أين المصدر؟
فلا تجعل حاجتك إلى الأمل سبباً في تصديق الوهم، ولا تجعل حبك للحكايات يسرق منك حقيقة الحياة.
فالقصص قد تمنحنا الأمل، لكن الأسباب هي التي تأخذنا إلى الطريق.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.