كُتاب الرأي

على عتبات الخمسين

على عتبات الخمسين

هل تنتهي الطموحات أم تبدأ حكاية أخرى؟

بقلم: بدرية عبدالعزيز

مهتمة بالشأن الثقافي والاجتماعي، وشغوفة بالكتابة وطرح القضايا المجتمعية.
حين تكبر الأحلام في داخلنا، لا تعود الأرقام قادرة على إقناعنا بأن الوقت قد فات!
هناك مرحلة عمرية لا تأتي لتعلن نهاية الأحلام، بل لتوقظ في داخل الإنسان طموحات ظلت مؤجلة، وأمنيات تنتظر لحظة الانطلاق. وعلى عتبات الخمسين، تقف بعض النساء وهن أكثر وعيا بأنفسهن، وأكثر إدراكا لما يمتلكن من قدرات، وأكثر إصرارا على أن يكون لهن أثر وصوت وحضور.
ولكن، هل أصبح الطموح حكرا على عمر معين؟ وهل باتت الشهادات العليا وحدها جواز العبور إلى ميادين الإبداع والعطاء؟ وماذا عن امرأة تمتلك موهبة الإلقاء، وقوة الحضور، وفصاحة التعبير، والقدرة على إدارة الحوارات والأعمال، ولديها شغف بالكتابة والمحاضرة والمشاركة في الفعاليات الثقافية والاجتماعية، لكنها لا تحمل شهادة جامعية عليا؟
قد يكون مؤهلها دبلوما في دراسة القرآن الكريم وعلومه وتجويده، لكنها في المقابل تحمل شغفا بالمعرفة، وحبا للتعلم، وقدرات ومواهب تطمح إلى تطويرها وتقديمها للمجتمع.
وهنا يبرز السؤال: هل تختصر الشهادة كل ما في الإنسان من قدرات؟ وهل يمكن لورقة أكاديمية أن تكون المقياس الوحيد للحكم على موهبة إنسان أو استعداده للعطاء؟
لا شك أن التعليم الأكاديمي ركيزة مهمة، وأن التخصص العلمي له مكانته واحترامه، ولكن هناك مواهب لا تولد في قاعات الجامعات وحدها، بل تصقلها التجارب، وتنميها القراءة، وتغذيها الممارسة، ويكشف عنها الحضور والمواقف والقدرة على التأثير والتواصل مع الآخرين.
هناك من تمتلك قدرة لافتة على الوقوف أمام الجمهور، وإيصال الفكرة بثقة وتمكن، وإدارة الحوارات باقتدار، وتنظيم الأعمال والمبادرات بروح قيادية، ولديها أفكار تستحق أن تكتب، وقضايا تستحق أن تناقش، وصوت يستحق أن يسمع.
وقد تكون الكتابة إحدى النوافذ التي وجدت من خلالها هذه الموهبة طريقها إلى الظهور، حين تجد بعض الأفكار طريقها إلى النشر في الصحف، ويحظى ما يكتب بالتقدير والتشجيع، وتأتي كلمة (استمري) لتكون دافعا جميلا لمواصلة الطريق.
فكم تصنع هذه الكلمة من فرق في نفس إنسان لديه الكثير ليقدمه، لكنه لا يزال يبحث عن مساحة أوسع ليعبر عن أفكاره ويشارك برؤيته ويثبت حضوره!
وهنا تكمن القضية التي تستحق أن تطرح للنقاش: أين تذهب المواهب التي لا تحمل شهادات عليا؟ ومن يكتشفها؟ ومن يمنحها الفرصة؟ ومن يؤمن بأن الكفاءة قد تكون حاضرة في شخصية لم تتح لها الظروف استكمال دراستها الأكاديمية؟
إنني لا أتحدث عن تجاوز شروط التخصص أو منح الأدوار لمن لا يمتلك أدواتها، وإنما أتحدث عن الإنصاف في اكتشاف المواهب، وعن ضرورة وجود مساحات لتقييم القدرات الحقيقية، كل في مجاله، بعيدا عن الأحكام المسبقة.
لماذا لا تكون هناك منصات ثقافية وإعلامية تحتضن أصحاب المواهب في الكتابة والإلقاء وإدارة الحوارات وتقديم المبادرات؟ ولماذا لا تمنح المؤسسات فرصة للمواهب الناضجة لتقدم نفسها وتثبت جدارتها؟
إن المرأة التي تقف على عتبات الخمسين ليست امرأة تودع أحلامها، بل قد تكون امرأة تستعد لمرحلة جديدة في مسيرتها، تحمل من الوعي والخبرة والشغف ما يجعلها أكثر استعدادا للعطاء.
فليس كل من لم يحصل على شهادة عليا عاجزا عن الإبداع، وليس كل من تأخر في تحقيق حلمه قد فقد فرصته، وليس العمر مقياسا لصلاحية الإنسان للإنجاز.
وكم هو مؤسف أن تظل موهبة حقيقية حبيسة الانتظار، وأن يمتلك الإنسان القدرة والرغبة والاستعداد، لكنه لا يجد من يمد له يدا أو يفتح أمامه نافذة
ومن هنا أوجه تساؤلي إلى المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية، وإلى الجهات التي تتبنى المواهب والكفاءات:
من يحتوي هذه الطاقات؟ من يفتح لها المنصات؟ من يمنحها فرصة للكتابة في الصحف، وإلقاء المحاضرات، وإدارة الحوارات، والمشاركة في الفعاليات والمبادرات؟
ومن يقول لتلك المرأة التي تقف على عتبات الخمسين: إن مكانك لم يفت، وإن صوتك يستحق أن يسمع، وإن موهبتك تستحق أن ترى النور؟
أنا لا أبحث عن لقب يمنحني قيمة، ولا عن استثناء يضعني في مكان لا أستحقه، بل أبحث عن فرصة عادلة أقدم من خلالها ما أملك، وأطور بها قدراتي، وأثبت أن الموهبة حين تجد من يحتضنها تتحول إلى أثر.
فربما لا تحتاج بعض الأحلام إلى معجزة كي تتحقق، بل إلى إنسان يؤمن بها، ومؤسسة تفتح لها الباب، ومنصة تمنحها المساحة.
على عتبات الخمسين، لا أقف لأحصي ما فاتني، بل لأتأمل ما تبقى لي من أحلام، وما أستطيع أن أقدمه، وما يمكن أن أتركه من أثر.
فهل من جهة ترى الموهبة قبل الشهادة؟ وهل من منصة تؤمن بأن الإبداع لا عمر له؟
فبعض النساء لا يبحثن عن فرصة ليبدأن الحياة من جديد، بل عن فرصة ليظهرن للعالم ما كان في داخلهن طوال الوقت..

كاتبة رأي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.