كُتاب الرأي

حين تتحول الحياة إلى سباق لا تنتهي محطاته

حين تتحول الحياة إلى سباق لا تنتهي محطاته

متى نعيش؟

لم يعد السؤال الذي يطرحه الإنسان على نفسه في نهاية يومه: هل عشت يومًا جميلًا؟ بل أصبح: ماذا أنجزت؟ وكم مهمة أتممت؟ وما الذي حققته مقارنة بالآخرين؟

في زمن تتسارع فيه الحياة، وتُقاس فيه النجاحات بالأرقام والنتائج، يبدو أن الإنسان دخل سباقًا خفيًا مع الزمن؛ سباقًا لا يعرف فيه خط النهاية، ولا يمنح نفسه حق التوقف دون أن يطارده شعور بالتقصير.

لم يعد العمل وحده يستنزف وقت الإنسان، بل امتد مفهوم الإنتاجية إلى تفاصيل حياته اليومية. أصبح مطالبًا بتطوير مهاراته، وتحسين قدراته، واستثمار كل دقيقة من وقته، حتى غدت الراحة في نظر البعض نوعًا من التأخر، وأصبح الفراغ مساحة يملؤها الشعور بالذنب بدلًا من أن تكون فرصة لاستعادة التوازن.

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: متى أصبحت قيمة الإنسان مرتبطة بما ينجزه، لا بما هو عليه؟

لا شك أن الطموح والعمل والسعي نحو الأفضل قيم أساسية في بناء الفرد والمجتمع، لكن الإشكالية تبدأ حين يتحول الطموح من وسيلة لتحقيق الحياة الأفضل إلى مقياس وحيد للحكم على قيمة الإنسان. عندها لا يعود النجاح مصدرًا للرضا، بل يتحول إلى سباق مستمر، كلما حقق الإنسان هدفًا ظهر أمامه هدف آخر، وكلما وصل إلى محطة اكتشف أن هناك من سبقه إلى محطة أبعد.

وزادت وسائل التواصل الاجتماعي من حدة هذه المقارنة؛ إذ أصبح الإنسان يرى يوميًا صورًا منتقاة من نجاحات الآخرين وإنجازاتهم ورحلاتهم وتجاربهم، فيقارن حياته بتلك المشاهد دون أن يعرف ما تخفيه من تحديات أو إخفاقات أو ظروف مختلفة. نرى النتائج ولا نرى الرحلة، ونقارن واقعنا بكل تفاصيله بلحظات مختارة من حياة الآخرين، ثم نتساءل لماذا نشعر بأننا متأخرون!

والأكثر إثارة للتأمل أن بعض الناس لم يعودوا يسألون أنفسهم عما يريدونه حقًا، بل عما ينبغي عليهم تحقيقه حتى لا يبدو أنهم متأخرون عن الآخرين. وهكذا قد يجد الإنسان نفسه يسير في طريق لم يختره، ويطارد أهدافًا لم تكن يومًا جزءًا من أحلامه، وإنما استمدها من توقعات المجتمع وصورة النجاح السائدة.

وفي خضم هذا السباق، تتراجع قيمة التفاصيل التي لا يمكن قياسها بالأرقام؛ جلسة عائلية دافئة، ووقت نقضيه مع والدينا، وقراءة نمارسها لمجرد المتعة، ومساعدة نقدمها دون انتظار مقابل، ولحظات هدوء نتصالح فيها مع أنفسنا. هذه التفاصيل لا تُضاف إلى السيرة الذاتية، ولا تُعرض بالضرورة أمام الآخرين، لكنها تشكل جزءًا أصيلًا من معنى الحياة.

ولعل السؤال الأهم ليس: كيف ننجز أكثر؟ بل: كيف ننجز دون أن نخسر أنفسنا؟ وكيف نحافظ على طموحنا دون أن يتحول إلى عبء يسرق منا متعة الحياة؟

إن إعادة تعريف النجاح أصبحت ضرورة إنسانية واجتماعية؛ فالنجاح لا ينبغي أن يُختصر في المنصب أو الدخل أو عدد الإنجازات، بل يمتد إلى جودة الحياة، وسلامة العلاقات، والقدرة على التوازن، والشعور بالرضا عما نملكه وما نسعى إليه.

فليس كل وقت لا ننتج فيه وقتًا ضائعًا، وليس كل إنسان يتقدم ببطء إنسانًا متأخرًا، وليست الراحة دليلًا على ضعف الطموح، كما أن كثرة الإنجازات لا تعني بالضرورة أن صاحبها يعيش حياة متوازنة.

ربما نحتاج اليوم إلى أن نمنح أنفسنا حقًا بسيطًا لكنه أصبح صعبًا: أن نعيش دون أن نشعر بأن علينا إثبات جدارتنا في كل لحظة، وأن نفهم أن قيمتنا الإنسانية لا ترتفع بعد إنجاز ولا تنخفض عند تعثر.

فالحياة ليست مشروعًا وظيفيًا مفتوحًا، والإنسان ليس آلة مطالبة بتقديم نتائج مستمرة. وأعظم ما يمكن أن يحققه المرء ليس أن يصل إلى كل الأهداف، بل أن يصل إليها دون أن يفقد نفسه في الطريق

بقلم:بدرية عبدالعزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.