كُتاب الرأي

حين يحاكمنا الغائبون

حين يحاكمنا الغائبون

منـيرا الـعتـيبي

أقسى القيود وأكثرها تحكماً في حياة الإنسان المعاصر ليست تلك التي تفرضها القوانين الصارمة، بل التي ينسجها المحيط بصمت مطبق حتى تتحول إلى ما يشبه «المحكمة الوهمية». وحين نتأمل هذه السلطة الخفية، سنجد أن الآخرين ــ الذين قد لا يكونون حاضرين فعلياً في المكان ــ يتحولون إلى جهة رقابة دائمة الانعقاد في عقل الفرد، تراجع أفعاله، وتقيّم خياراته، وتدير بوصلته دون أن يمتلكوا أي سند قانوني أو تشريعي. إنها سلطة بلا وجه، تستمد نفوذها من هشاشة الداخل الإنساني حين يخلط بين احترام السياق وبين تسليم مفاتيح القرار لافتراضات مجتمعية لا تنام.

في عمق البناء النفسي للفرد، تبرز آلية «استدخال المعايير الاجتماعية» (وهي العملية السيكولوجية التي يتبنى من خلالها الفرد قيم محيطه وخارطته المعيارية لتصبح جزءاً من بنائه الداخلي)، ليتحول الإنسان تدريجياً إلى رقيب صارم على أفكاره قبل أن يلفظها، وعلى خطواته قبل أن يخطوها. لا يعود الخوف هنا مرتبطاً بعقوبة مادية، بل بالخوف من الصورة التي يعتقد أن الآخرين كوّنوها عنه. وهنا يتشكل قفص الوهم الذي يدفع الإنسان لتبني مسارات لا تقرها قناعته، فقط لئلا يزعج الاستقرار المألوف لمحيطه، متناسيًا أن الاسترضاء المستمر غاية لا تدرك وثمنها باهظ يُقتطع من رصيد الوعي والسيادة الشخصية.

تعمل هذه السلطة غير المرئية عبر أدوات ضغط ناعمة؛ أولها «اللّوم الضمني والنظرات المبطنة» التي ترسل رسائل استهجان صامتة لإرباك الثقة الفردية دون مواجهة تتيح النقاش، وثانيها «الإقصاء الاجتماعي» الذي يمارس تهميشاً هادئاً لكل من يخرج عن النسق المعتاد بما يبعث رسالة ردع للمترددين، وثالثها «التوقعات المعيارية الافتراضية» التي توظف الأسئلة العامة بوصفها مطارق ضغط تحاصر الفرد في زاوية التبرير الدائم. وحين يستنزف الإنسان طاقته في تلبية هذه التوقعات، يولد عمله هزيلاً ومآله التآكل، لأنه يعتمد على القبول الآني لا على المعيار الرصين.

إن التحرر من هذه الهيمنة لا يتحقق بالصدام العبثي، بل بفعل «الكتلة الحرجة الصامتة»؛ وهم أفراد يختارون بوعي وصرامة هادئة أن يفككوا الأعراف المعطلة عبر الثبات المنهجي على العمل المنتج. حين يتصرف هؤلاء وفق قناعاتهم الراسخة، فإن استقلالهم الفردي لا يبقى حالة معزولة، بل يتحول تدريجيًا إلى نموذج ملموس، يمتد تأثيره عبر دوائر اجتماعية متتابعة، ويسهم في تغيير النظرة العامة وترسيخ قاعدة جديدة تحترم استقلال الفرد، ولا تستمد شرعيتها من إرضاء الغائبين.

إن مقياس النضج الفكري يكمن في الانتقال من محكمة «ماذا سيقولون؟» إلى سيادة «ماذا يقتضي الحق؟». ولكي لا يتحول الاستقلال إلى أنانية مطلقة، ينبغي التمييز الدقيق بين الخضوع لسلطة الوهم وبين مراعاة المصالح والمسؤوليات الحقيقية تجاه الآخرين؛ فليس كل تأثر بالمحيط ضعفاً، بل الحكمة في التوازن. ولتحويل هذا الوعي إلى أداة عملية، يتحتم على المرء أن يسأل نفسه قبل كل قرار مفصلي: «هل أتخذ هذا القرار اقتناعاً بمشروعيته، أم تجنباً لحكم الآخرين؟»، ثم يطرح سؤالاً مكمّلاً: «هل توجد مصلحة أو مسؤولية حقيقية تجاه الآخرين تبرر مراعاتها؟». وحين يستقيم هذا المعيار، تتساقط سطوة الغائبين، ويصبح القرار أكثر اتساقًا مع القناعة، وأقل خضوعًا لوهم الرقابة.

كاتبة سعودية

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.