كُتاب الرأي

بدون شهود

بدون شهود

“البناء الصامت في زمن يريد لكل شيءٍ شاهداً “

منـيرا الـعتـيبي

يحدث كثيرًا أن يتوقف المرء لدقائق في نهاية يومه، في المساحة الفاصلة بين العالم الخارجي وعزلته. هناك، حيث لا أحد يراقب، ولا أحد ينتظر تفسيراً.
تبدأ معارك لا تظهر في الصور ولا تُروى في المجالس: قرارٌ صعب، خسارةٌ تُهضم بصمت، موقفٌ يعيد المرء النظر فيه، أو شيءٌ في داخله يحاول أن يستعيد توازنه.

تلك الدقائق التي لا يراها أحد قد تكون أكثر لحظات اليوم صناعةً للإنسان.

فنحن نعيش في زمنٍ اعتاد أن يجعل لكل شيء شاهدًا. نعلن إنجازاتنا، نوثّق أفراحنا، نشرح أحزاننا، ونشارك تحولاتنا حتى أصبح من السهل أن يختلط علينا أمرٌ بسيط: هل نعيش التجربة فعلًا، أم نبحث عن شاهدٍ عليها؟

ليس كل ما يحدث في الداخل صالحًا للعرض، وليس كل تحولٍ يحتاج إلى جمهور. بعض الأشياء تنضج في الظل؛ لأن حضور الآخرين قد يحوّلها من تجربة حقيقية إلى أداءٍ لإثبات أننا تغيّرنا.

وقد رأيتُ أشخاصًا يبدون أمام الآخرين أكثر صلابة مما يشعرون به في الداخل؛ يحسنون تقديم صورة المتماسك، ثم تكشف لحظةٌ واحدة خلف الأبواب المغلقة هشاشةً لم تظهر لأحد.
وفي المقابل، هناك من يمر بأعتى الظروف دون أن يرفع لافتةً تقول إنه يتعافى؛ لا عجزًا عن التعبير، بل إدراكًا بأن بعض الخسائر تُحترم بالصمت، وأن بعض مراحل النضج تفسد حين تتحول إلى رواية تُروى قبل أن تكتمل

البناء الحقيقي لا يحدث دائمًا في اللحظات التي نصفق لها، بل في تلك التي لا يسمع فيها الإنسان سوى صوته الداخلي. أن تتنازل عن موقفٍ يغذي كبرياءك لأن قيمك أهم. أن ترفض مكسبًا سهلًا لأن ثمنه أثقل مما يستحق. أن تضع حدًا لمسارٍ استنزفك دون أن تصنع حوله مشهداً. أن تختار الصمت حين يكون الكلام مجرد محاولة لاستعادة صورتك أمام الآخرين.
هناك، بعيدًا عن العيون، تتشكل النواة الصلبة للإنسان.

فالاعتراف الخارجي قد يخبرك كيف يراك الآخرون، لكنه لا يخبرك بالضرورة من أصبحت. وقد تصفق لك الجماهير على قرارٍ لم تكن صادقًا فيه مع نفسك، بينما لا يسمع أحد تلك اللحظة الصغيرة التي اخترت فيها ما يشبهك حقًا.

لهذا، ليست القوة دائمًا في أن يراك الناس وأنت تتغير، بل في أن تستطيع أن تتغير دون أن تحتاج إلى أن يروك.

أما المفارقة الأشد في زمننا فهي أننا لم نعد نكتفي بأن نعيش التحول؛ بل نريد أن نُثبت أننا تغيّرنا.
فنحوّل التعافي إلى إعلان، والقرار إلى موقفٍ موثّق، والصمت إلى رسالةٍ مقصودة تنتظر من يلاحظها.
ومع كل هذا العرض، قد نفقد شيئًا من جوهر التجربة نفسها؛ لأن بعض التحولات تحتاج إلى أن تُعاش قبل أن تُروى، وإلى أن تكتمل في الداخل قبل أن تبحث عن تصديقٍ في الخارج.

ولذلك، ليست قيمة التحولات في أن تجد من يصفق لها، بل في أن تترك أثرها في صاحبها، حتى لو مرّت دون أن يلاحظها أحد. هناك أشياء لا تُصبح أصدق حين نعلنها، بل ربما تفقد شيئًا من معناها بمجرد أن تتحول من تجربةٍ نعيشها إلى صورةٍ نثبتها للآخرين.

وهنا يبدأ البناء الصامت: أن تفعل ما تعرف أنه صواب، حتى حين لا يراك أحد؛ وأن تتغير لأنك لم تعد تريد أن تكون النسخة القديمة منك، لا لأن أحدًا ينتظر منك نسخةً جديدة. ذلك النوع من التغيير لا يطلب تصفيقًا، لأنه لم يُبنَ من أجله أصلًا.
لكن البناء الذي يحتاج إلى جمهورٍ كي يكتمل، قد يكون بناءً للصورة أكثر منه بناءً للإنسان.
أما ما يُبنى بلا شهود، فلا يحتاج بعد اكتماله إلى شرح طويل.

القرارات المصيرية لا تعلن عن نفسها دائمًا، والتعافي الحقيقي لا يطلب شهادة ميلاد، والنضج لا يحتاج إلى تصفيق. بعض التحولات يكفيها أن تحدث؛ لأنها لم تُخلق لتُعرض، بل لتُعيد صاحبها إلى نفسه.

وربما لهذا كان أجمل ما في بعض انتصاراتنا أنها مرّت دون أن يعرف بها أحد.
لا شاهد عليها، ولا صورة، ولا تصفيق.

فقط إنسانٌ كان يعرف كيف كان، ويعرف الآن من أصبح، وهذا وحده يكفي.

✍ كاتبة سعودية

 

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.