كُتاب الرأي

منطق الصفقة

منطق الصفقة

منـيرا الـعتـيبي

ليس كل بيع وشراء يتم في أسواق المال، ولا كل الصفقات تُبرم في مكاتب مغلقة وتُختم بالتوقيعات. بعض الصفقات الأكثر أثراً في حياة الإنسان تُعقد في مكان لا يخطر له أن يسميه سوقاً: في علاقته بيومه حين يقايض ما يملكه للمستقبل بما يريده الآن.

لا يخسر المرء ما يبنيه أو ما يؤمن به دفعة واحدة، بل يحدث ذلك عبر «التنازل بالتجزئة»؛ فيقتطع من ساعات التركيز والعمل العميق ليشتري راحة التشتت، ويؤجل قرارًا مفصليًا ليشتري هدنة مؤقتة مع القلق، ويخفف من صراحته ليشتري سلامًا شكليًا يجنّبه كلفة المواجهة
وهنا تبدأ أخطر الصفقات: تلك التي لا تبدو خاسرة لحظة إبرامها.

نحن لا نترك ما نريده لأننا لم نعد نريده، بل لأن المكسب العاجل يبدو أحياناً أكثر إغراءً من قيمة ما ندفعه على المدى البعيد. والمشكلة أن الثمن لا يُدفع في صورة خسارة واضحة؛ يأتي متناثراً في تفاصيل صغيرة، يمكن لكل واحدة منها أن تبدو معقولة بمفردها. نمنح استثناءً اليوم، ونبرر تنازلًا غداً ، ونؤجل حساب الكلفة إلى وقت لا نعرف متى يأتي.
وهكذا يصبح ما كان ينبغي أن يكون استثناءً عادة، وما كان ينبغي أن يكون ثمناً مؤقتاً اقتطاعاً دائماً من الرصيد.

ليست الصفقة خطرة لأن ثمنها كبير، بل لأن صِغر ثمنها يجعلنا لا نشعر أننا ندفعه أصلاً. ومع تكرار التنازلات، يتآكل الأصل بهدوء، حتى نكتشف متأخرين أن ما ظنناه مكاسب متفرقة لم يكن إلا خسارةً تُدفع على دفعات.

والأخطر أن الإنسان لا يحتاج إلى خداع نفسه بالكامل؛ يكفي أن يعيد تعريف الربح. يصبح تجنب المواجهة «حكمة»
والتردد «تريثًا»
والتشتت «استراحة»
والتنازل عن موقف واضح «مرونة»
وهكذا لا نخسر لأننا لم نعرف قيمة ما نملك، بل لأننا منحنا المكسب اللحظي قيمةً أكبر من ثمنه الحقيقي. فنحن لا نحتاج دائماً إلى قرار خاطئ كي نخسر؛ يكفي أن نسمّي الخسارة مكسباً.

ليست الحكمة إذن أن نرفض كل صفقة، ولا أن نعيش في صراع دائم مع الراحة والتأجيل والمجاملة. الحكمة أن نعرف ما الذي يمكن التفاوض عليه، وما الذي لا يدخل السوق أصلاً.
فهناك أشياء يمكن تعويضها، وأشياء يمكن استردادها، وأشياء إذا جعلناها محل مساومة مرة بعد أخرى، انتهينا إلى خسارة الأصل ونحن ما زلنا نظن أننا ربحنا.

الأهداف والمبادئ والوقت والكرامة ليست بضائع نضعها على رف التفاوض كلما اشتد إيقاع الحياة. بعضها قد يبدو قابلاً للمقايضة في لحظته، لكن ثمنه الحقيقي لا يظهر عند الدفع؛ يظهر حين نحتاجه ولا نجده.

وفي النهاية، لا تُقاس خسارتنا بعدد الصفقات التي خسرناها، بل بعدد الصفقات التي ظننا أننا ربحناها.

فقد لا نكون قد خسرنا أنفسنا في قرار واحد كبير؛ ربما بعنا أجزاءً منها، بهدوء، في صفقات لم نرَ فيها إلا المكسب العاجل.

ولهذا، قبل أن تسأل: ماذا سأربح؟ اسأل أولاً: ماذا أبيع؟

✍🏻 كاتبة سعودية

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.