كُتاب الرأي

حبر الحكاية

حبر الحكاية

✍🏻 مـنـيرا الـعتـيبي

هناك لحظة لا تُرى بالعين، لكنها تغيّر شكل الكلمة وهي في طريقها إلى الورق. لحظة يتراجع فيها الخبر عن كونه خبرًا خالصًا، ويتقدم خطوة نحو منطقة لا تعود فيها اللغة مطمئنة إلى وظيفتها الأولى.

*كواليس الـمَشهد غير المرئي*
في غرفة أخبار، قد يبدو كل شيء واضحًا: سطر وصل، رقم يُثبت، تصريح يُنقل. لكن خلف هذا الوضوح الظاهري، يحدث شيء آخر لا يظهر في النص النهائي. ارتباك صغير في صياغة شاهد، جملة تتوقف قبل اكتمالها، أو تفصيلة تبدو غير ضرورية لكنها تعيد تشكيل المشهد من الداخل. عندها لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل ماذا لم يُقل؟

الصحفي، في تلك اللحظة، لا يقف خارج الحدث. هو داخل هشاشته. يحاول أن يجمع ما تبعثر منه دون أن يخونه، وأن يقترب دون أن يختزل. كل تفصيلة مهملة تتحول إلى احتمال لمعنى، وكل صمت قصير يصبح جزءًا من السرد غير المرئي.
وأحيانًا تبقى في الذاكرة أشياء لا تجد طريقها إلى العنوان؛ يدٌ ترتجف أثناء حديث صاحبها، نظرة عابرة في نهاية مقابلة، أو لحظة صمت تسبق إجابة متأخرة. تفاصيل لا تغيّر الوقائع، لكنها تغيّر الطريقة التي نفهم بها تلك الوقائع.

*طبقات الزمن وإعادة التشكيل*
في الجهة الأخرى، لا يتعامل الأدب مع الوقائع بوصفها مادة جاهزة، بل بوصفها زمنًا قابلًا لإعادة التشكيل. يعيد ترتيب اللحظة لا ليغيّر حقيقتها، بل ليكشف طبقاتها التي لم تكن ظاهرة عند وقوعها. الزمن هنا لا يسير بخط مستقيم، بل يعود على نفسه ليضيء ما تم تجاوزه بسرعة.
لكن الفاصل بين الصحافة والأدب ليس حدًّا، بل منطقة تداخل. النص الذي يقترب من الحقيقة دون أن يفقد حسّه الإنساني، والذي يحافظ على صدقه دون أن يتخلى عن أثره، يقف في تلك المساحة التي لا تُسمى بسهولة. لا هو تقرير، ولا هو تخييل، بل شكل ثالث من الإدراك.

*المساحة الثالثة: إدراك لا سرد*
في هذا الشكل، لا تُقاس الكلمة بما تنقله فقط، بل بما تتركه خلفها في وعي من يقرأ. القارئ لا يبحث عن معلومة مكتملة بقدر ما ينجذب إلى أثر غير مكتمل، إلى شيء يشعر أنه رآه دون أن يُقال له مباشرة.

وحين يُعاد النظر إلى الخبر بعد أن يهدأ ضجيجه، لا يعود مجرد مادة إخبارية، بل يصبح أثرًا قابلًا لإعادة القراءة من الداخل. هنا يتغير موقع الكاتب نفسه؛ لم يعد ناقلًا، ولا مؤلفًا خالصًا، بل شاهدًا على الطريقة التي تتحول بها الوقائع إلى معنى.

عند هذه النقطة تحديدًا، لا تعود الكلمة مرتبطة بوظيفتها الأولى فقط، بل بقدرتها على العبور بين الواقع وإعادة تخييله دون أن يفقد صدقها. وهنا فقط، لا يُكتب الخبر ولا تُروى الحكاية، بل يتكوّن شيء بينهما يشبه الإدراك أكثر مما يشبه السرد.

وهذا هو حبر الحكاية.

*كاتبة سعودية *

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.