كُتاب الرأي

حين تصبح النعمة امتحاناً

حين تصبح النعمة امتحاناً

سويعد الصبحي 

الحمد لله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى.

 

ما إن تُذكر كلمة الابتلاء حتى تتجه الأذهان إلى المرض أو الفقر أو فقد الأحبة وكأن البلاء لا يرتدي إلا ثوب الألم.

 

غير أن القرآن يهدم هذا التصور حين يقول الله تعالى:

 ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.

 

فالخير والشر يقفان على باب الامتحان نفسه غير أن أحدهما يدخل في هيئة مصيبة والآخر يدخل في هيئة نعمة.

 

ولعل أخطر ما في النعمة أنها لا تُشعر صاحبها بأنه في قاعة اختبار.

 

فالإنسان إذا نزل به البلاء انتبه ودعا وراجع نفسه أما إذا فُتحت له أبواب الرزق وأُحيط بالصحة وتتابعت عليه أسباب النجاح فقد يظن أن الطريق انتهى بينما يكون الامتحان قد بدأ لتوّه.

 

إن النعم لا تغيّر الإنسان بل تكشفه.

 

إنها تُظهر ما كان مستتراً في القلب فمن امتلأ قلبه شكراً ازدادت النعمة في عينيه تواضعاً ومن امتلأ إعجاباً بنفسه تحولت النعمة إلى مرآة لا يرى فيها إلا صورته.

 

كم من فقيرٍ نام قرير العين لأنه عرف أن الرضا غنى وكم من غنيٍّ أثقلته خزائنه لأنه لم يعرف أن الطمأنينة رزقٌ لا يُشترى.

 

وكم من صحيح الجسد أنهكه القلق بينما مريضٌ على سريره يوزّع السكينة على من حوله.

 

فليست النعمة دائماً فيما نملك وإنما فيما يملكه الإيمان من قلوبنا.

 

تأمل واقع الناس شابٌّ دعا الله طويلاً  أن يرزقه وظيفة فلما استجاب الله له شغلته المواعيد عن الصلاة في وقتها.

 

وآخر سأل الله المال فلما وسّع عليه ضاقت يده عن الصدقة.

 

وثالث تمنى الشهرة فلما نالها أصبح يقيس قيمته بعدد المتابعين لا بصدق عمله.

 

لم تكن المشكلة في الوظيفة ولا في المال ولا في الشهرة وإنما في الامتحان الذي جاءت به هذه النعم.

 

وفي المقابل كم من إنسان أغلِق في وجهه باب فبكى ثم اكتشف بعد أعوام أن الله كان يحفظه من طريقٍ لو سلكه لأضاع دينه أو دنياه.

 

عندها يدرك أن المنع قد يكون صورة من صور العطاء وأن التأخير قد يكون رحمة لا يراها إلا من نظر إلى الأحداث بعين الإيمان.

 

إن النعمة تشبه النهر من أحسن توجيه مائه أحيا به أرضه ومن تركه بلا ضفاف أغرق زرعه.

 

وهي تشبه الريح تحمل السفينة إذا أحسن ربانها توجيه الشراع وقد تقلبها إذا غفل عن وجهته.

 

فالقضية ليست في النعمة ذاتها وإنما في القلب الذي يستقبلها.

 

ولهذا لم يكن الحمد في الإسلام كلمة تُقال عند الفرح فحسب بل كان ميزاناً للحياة كلها.

 

فالمؤمن يحمد الله إذا أعطى لأنه يعلم أن العطاء تكليف قبل أن يكون تشريفاً ويحمده إذا منع لأنه يوقن أن الحكمة قد تختبئ فيما لا تشتهيه النفس.

 

وقد لخّص النبي ﷺ هذا المعنى بقوله:

(عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ).

 فجعل الشكر في السراء قرين الصبر في الضراء لأن كليهما عبادة وكليهما نجاح في الامتحان.

 

ولعل أعظم النعم ليست وفرة المال ولا المكانة ولا طول العمر وإنما أن يرزق الله الإنسان قلباً إذا أُعطي شكر وإذا مُنع رضي وإذا ابتُلي صبر.

 

فهذا القلب هو النعمة التي تحفظ سائر النعم من أن تنقلب على صاحبها.

 

وفي نهاية المطاف لن يكون السؤال يوم القيامة: كم جمعت؟ ولا كم امتلكت؟ بل كيف شكرت؟ وكيف أنفقت؟ وكيف أدّيت حق ما وهبك الله؟ فكم من نعمةٍ رفعت صاحبها إلى أعلى الدرجات وكم من نعمةٍ كانت سبباً في تعثر آخر لا لأنها كانت نعمة بل لأنه نسي المنعم.

 

إن الحياة ليست رحلة للبحث عن النعم بل رحلةٌ لتعلّم شكرها.

 

فمن عرف أن كل نعمة أمانة وكل يوم فرصة وكل حمد نجاة أدرك أن أعظم الفوز ليس أن تكثر عطايا الدنيا في يده بل أن يبقى قلبه معلّقاً  بواهبها.

كاتب رأي 

سويعد محمد موسى الصبحي

كاتب رأي وإعلامي رياضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.