الركن الرياضي

كرة القدم السعودية

كرة القدم السعودية

لماذا تأخر المنتخب عن طموح الدوري؟ 

سويعد الصبحي 

لم تعد كرة القدم السعودية تملك عذراً مقنعاً للاكتفاء بمجرد التأهل إلى كأس العالم.

فالمملكة تعيش واحدة من أكبر مراحل التحول الرياضي في تاريخها والدوري السعودي أصبح وجهة عالمية للنجوم والأندية تتطور إدارياً واستثمارياً والمنشآت الرياضية تشهد نقلة كبيرة والإنفاق على كرة القدم لم يعد يقارن بما كان عليه قبل سنوات.

ومع ذلك يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً :

أين المنتخب السعودي من كل هذا التطور؟

وأين اللاعب السعودي في مشروع التطوير؟

المشكلة ليست في غياب الإمكانات وإنما في ضرورة إعادة توجيه جزء أكبر من هذه الإمكانات نحو صناعة اللاعب السعودي وليس فقط صناعة مسابقة قوية أو دوري جذاب.

فالمنتخب السعودي تأهل إلى كأس العالم 2026 وستكون هذه المشاركة السابعة في تاريخه والثالثة على التوالي لكن أفضل إنجاز سعودي في البطولة لا يزال يعود إلى مونديال 1994 عندما بلغ الأخضر دور الـ16.

وهنا يجب أن نتوقف.

هل أصبح التأهل إلى كأس العالم هو الطموح؟

أم أن التأهل يجب أن يكون خطوة أولى نحو صناعة منتخب ينافس ويتجاوز دور المجموعات بصورة منتظمة؟

المشكلة ليست في التأهل.. المشكلة فيما بعد التأهل

الكرة السعودية أثبتت مراراً أنها قادرة على الوصول إلى كأس العالم.

لكن الاستمرارية في تحقيق إنجاز عالمي لم تتحول بعد إلى مشروع طويل المدى.

ومنذ المشاركة التاريخية في الولايات المتحدة عام 1994 بقي ذلك الإنجاز هو السقف الأعلى للمنتخب السعودي في كأس العالم، رغم تكرر الحضور العالمي.

بل إن FIFA أشار إلى أن المنتخب السعودي رغم تاريخه وحضوره المتكرر في كأس العالم لم يتجاوز دور المجموعات سوى مرة واحدة.

وهذا لا يعني أن كرة القدم السعودية فشلت بالكامل بل يعني أن هناك خللاً في تحويل الموارد والإمكانات إلى قوة مستدامة للمنتخب الأول.

أين تكمن المشكلة؟

أولاً: اللاعب السعودي لا يحصل دائماً على الاستمرارية المطلوبة

هذه ربما أهم نقطة في مستقبل الكرة السعودية.

لا يكفي أن يكون اللاعب موهوباً أو أن يكون ضمن قائمة فريق كبير أو أن يتدرب مع نجوم عالميين.

اللاعب يحتاج إلى 90 دقيقة متكررة.

يحتاج إلى مواجهة الضغوط واتخاذ القرارات وارتكاب الأخطاء والتعلم منها واللعب أمام جماهير وخوض مباريات متقاربة المستوى والضغط.

وجود اللاعب على دكة البدلاء في نادٍ كبير قد يكون أقل فائدة لتطوره من لعبه أساسياً  بصورة منتظمة في نادٍ آخر.

ومن هنا يجب أن تتحول فلسفة التعامل مع لاعب المنتخب من:

(أين يلعب؟)

إلى:

(كم يلعب؟ وكيف يتطور؟)

وهنا يمكن وضع مؤشر واضح: أن يحصل لاعب المنتخب الواعد على نسبة مشاركة مرتفعة مع ناديه وليكن مستهدفاً  أن تتجاوز 70% من المباريات المتاحة له وإذا لم تتوفر له المشاركة تبحث المنظومة عن خيار الإعارة أو الانتقال إلى نادٍ يضمن له دقائق لعب حقيقية.

هذه ليست مطالبة بالتدخل في قرارات المدربين وإنما سياسة تطوير وطنية للاعبين الدوليين.

ثانياً: قوة الدوري لا تعني تلقائياً قوة المنتخب

الدوري السعودي تطور بصورة هائلة وبرنامج استقطاب النجوم رفع من جودة المنافسة وجذب أنظار العالم.

لكن هناك فرقاً بين أن يصبح الدوري قوياً  وبين أن يصبح اللاعب السعودي أقوى بسببه.

اللائحة الحالية لدوري روشن تسمح بتسجيل عدد كبير من اللاعبين غير السعوديين وقد حُددت القائمة بـ25 لاعباً مع أحقية النادي في تسجيل 10 لاعبين غير سعوديين وفق الضوابط المعلنة.

وجود اللاعبين العالميين له فوائد ضخمة: رفع جودة التدريب

نقل الخبرة

زيادة الاحتكاك

تطوير التسويق

ورفع مستوى المنافسة.

لكن الخطر يبدأ عندما يتحول اللاعب السعودي إلى متفرج على تطور الدوري بدل أن يكون أحد المستفيدين الرئيسيين منه.

المطلوب ليس تقليل جودة الدوري أو محاربة اللاعب الأجنبي.

المطلوب هو إيجاد معادلة تحقق هدفين في الوقت نفسه:

دوري عالمي + لاعب سعودي عالمي.

ثالثاً: لماذا تطورت منتخبات آسيوية أخرى؟

عندما ننظر إلى اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وغيرها من التجارب الآسيوية نجد اختلافاً مهماً :

هذه الدول لم تبنِ منتخباتها من خلال شراء اللاعبين وإنما بنت منظومة لإنتاج اللاعبين.

خذ تجربة كوريا الجنوبية على سبيل المثال.

الدوري الكوري وضع نظاماً لتقييم برامج تطوير الناشئين في الأندية ويشمل تقييم الرؤية وتوسيع قاعدة اللاعبين والاستقطاب والتنظيم والمنشآت والمشاركة في المباريات وتدرج اللاعب وإنتاجيته.

كما أن نظام K League Junior يوفر مسابقات منتظمة للفئات السنية مع توسيع فرص المشاركة للاعبين الأصغر سناً واستخدام تصوير وتحليل المباريات وتقنيات GPS لدعم عملية التطوير.

الفكرة هنا واضحة:

لا تنتظر الموهبة حتى تصل إلى المنتخب بل ابنِ نظاماً  يجعل اكتشافها وتطويرها أمراً مستمراً.

رابعاً : السعودية بدأت بالفعل.. لكن المطلوب هو ربط الحلقات

ومن الإنصاف القول إن الاتحاد السعودي لكرة القدم بدأ خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة في هذا الاتجاه.

فالاتحاد أطلق برامج لاكتشاف المواهب وأنشأ مراكز تدريب إقليمية ووسع مسابقات الفئات السنية وحصل على التصنيف الذهبي ضمن ميثاق AFC للناشئين.

كما شهد موسم 2024-2025 زيادة في عدد مباريات الفئات السنية بهدف رفع خبرة اللاعبين وحقق منتخبا تحت 20 وتحت 17 عاماً إنجازات مهمة شملت التأهل إلى كأس العالم للفئتين.

وأُطلقت كذلك بطولة النخبة تحت 21 عاماً ابتداءً من موسم 2025-2026 لتوفير منافسة أكثر انتظاماً  للاعبين في مرحلة الانتقال إلى كرة القدم الاحترافية.

وفي 2026 توسعت المنظومة بإطلاق مسابقات للفئات تحت 5 و7 و9 سنوات بهدف توسيع قاعدة الممارسين وبناء مسار متكامل من المراحل المبكرة إلى المنتخبات الوطنية.

إذن المشكلة ليست أن العمل لا يوجد.

المشكلة أن المطلوب الآن هو التأكد من أن هذه المبادرات تتحول إلى لاعبين يصلون إلى الفريق الأول ويشاركون بانتظام ويصنعون الفارق.

خامساً: أخطر مرحلة هي الانتقال من الناشئين إلى الفريق الأول

قد نصنع لاعباً ممتازاً في عمر 15 أو 16 أو 17 عاماً ثم نفقده في الفترة بين 18 و23 عاماً .

هذه هي المرحلة التي يجب أن تكون محور المشروع القادم.

يجب أن يكون لكل لاعب موهوب:

·       ملف فني وبدني وذهني متكامل.

·       خطة تطوير سنوية.

·       عدد مستهدف من دقائق اللعب.

·       متابعة شهرية لمستواه.

·       مسار واضح للانتقال إلى الفريق الأول.

·       خيار إعارة مدروس إذا لم يحصل على فرصة.

·       متابعة مستمرة من الاتحاد والنادي.

لا ينبغي أن يكون مستقبل اللاعب مرهوناً بالمصادفة أو بتغيير المدرب أو ازدحام قائمة الفريق بالنجوم.

سادساً: الدعم المالي يجب أن يرتبط بصناعة اللاعب

إذا كنا نريد تغييراً حقيقياً فلا بد من تغيير مفهوم الدعم.

لماذا لا يحصل النادي الذي يطوّر اللاعبين السعوديين ويمنحهم دقائق لعب حقيقية على حوافز إضافية؟

ولماذا لا تصبح نسبة مشاركة اللاعبين السعوديين خصوصاً الدوليين والشباب أحد مؤشرات تقييم الأندية؟

الدعم يجب ألا يكون مكافأة للإنفاق فقط.

بل يجب أن يكون مكافأة على:

الاستثمار في اللاعب السعودي.

ويمكن إنشاء مؤشر وطني لتطوير اللاعبين يقيس:

1.                  عدد اللاعبين السعوديين الذين تم تصعيدهم.

2.                  دقائق لعبهم.

3.                  عدد اللاعبين الذين وصلوا إلى المنتخبات.

4.                  انتقال اللاعبين إلى أندية أكبر.

5.                  الاحتفاظ بالمواهب وتطويرها.

6.                  جودة برامج الناشئين.

7.                  كفاءة المدربين الوطنيين.

سابعاً: المنتخب السعودي يحتاج إلى مشروع وليس مجرد مدرب

المدرب مهم لكنه ليس المشروع.

تغيير المدرب كلما تراجع الأداء قد يحل مشكلة مؤقتة لكنه لا يصنع منتخباً مستداماً.

المطلوب هو إنشاء هوية فنية للمنتخبات السعودية تمتد من تحت 15 عاماً إلى المنتخب الأول.

بحيث يتعلم اللاعب السعودي منذ الصغر:

·       أسلوب اللعب.

·       البناء من الخلف.

·       الضغط.

·       التحولات.

·       اللعب تحت الضغط.

·       اتخاذ القرار.

·       الانضباط التكتيكي.

·       اللياقة الحديثة.

·       تحليل الأداء.

وعندما يصل اللاعب إلى المنتخب الأول لا يبدأ من الصفر.

بل يكون قد مر بالمدرسة نفسها.

ثامناً: المدرب السعودي يجب أن يكون جزءاً من المشروع

لا يمكن بناء كرة قدم قوية من دون بناء مدربين أقوياء.

نحتاج إلى مشروع وطني لتأهيل المدربين السعوديين يتضمن ابتعاثهم إلى أفضل الأكاديميات والدوريات وإتاحة العمل إلى جانب المدربين العالميين وإلزام الأندية ببرامج لتطوير المدربين الوطنيين.

فالمدرب السعودي هو الذي سيحمل المشروع بعد انتهاء عقود المدربين الأجانب.

تاسعاً: نحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية للاعب السعودي

كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على العين المجردة وحدها.

نحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة للاعبين تشمل:

الدقائق – السرعة – المسافات – القوة – الإصابات – التمريرات – التسديد – الالتحامات – القرارات – التطور الفني والبدني.

وبذلك يمكن معرفة اللاعب الذي يتطور واللاعب الذي يحتاج إلى إعارة واللاعب الذي يحتاج إلى برنامج بدني واللاعب الذي يستحق الاستدعاء للمنتخب.

عاشراً: الهدف الحقيقي يجب أن يتغير

التأهل إلى كأس العالم ليس إنجازاً كافياً لمنتخب بحجم الطموح السعودي.

نعم التأهل إنجاز مهم ويجب تقديره.

لكن بعد أن أصبح المنتخب السعودي على أعتاب مشاركته السابعة يجب أن يرتفع سقف الطموح.

الهدف الأول: التأهل.

الهدف الثاني: تجاوز دور المجموعات.

الهدف الثالث: المنافسة على الأدوار المتقدمة آسيويًا وعالمياً.

الهدف الرابع: أن يصبح المنتخب السعودي حاضراً بصورة منتظمة بين أفضل منتخبات آسيا.

وتشير المعطيات الرسمية قبل مونديال 2026 إلى أن الهدف السعودي المباشر هو تجاوز دور المجموعات وهو هدف منطقي كبداية لكنه يجب أن يكون جزءاً من طموح أكبر يمتد لسنوات.

ما الذي نحتاجه الآن؟ مشروع  (اللاعب السعودي أولاً )

المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى مؤشرات قياس واضحة.

وأقترح أن يقوم المشروع الوطني لكرة القدم السعودية على عشرة محاور:

1. زيادة دقائق لعب اللاعب السعودي.

2. حماية لاعبي المنتخبات من التجميد على دكة البدلاء.

3. ربط جزء من دعم الأندية بتطوير اللاعبين السعوديين.

4. إنشاء مسار وطني موحد من البراعم إلى المنتخب الأول.

5. تطوير المدرب السعودي وتأهيله عالمياً.

6. توسيع قاعدة اكتشاف المواهب في جميع مناطق المملكة.

7. زيادة المباريات التنافسية للفئات السنية.

8. استخدام البيانات والتحليل العلمي في اكتشاف وتطوير اللاعبين.

9. وضع هوية فنية موحدة للمنتخبات السنية وصولاً إلى المنتخب الأول.

10. وضع أهداف سنوية معلنة وقابلة للقياس للمنتخبات والأندية.

الخلاصة: لسنا بحاجة إلى إعادة اختراع كرة القدم

الكرة السعودية لا تفتقر إلى المال ولا إلى الجمهور ولا إلى المنشآت ولا إلى النجوم العالميين ولا إلى الطموح.

بل إن الدوري السعودي يعيش مرحلة تحول كبيرة ورابطة الدوري وضعت ضمن استراتيجيتها تطوير الأندية واستقطاب المواهب ورفع التنافسية كما أن منظومة تراخيص الأندية تشهد تطوراً مستمراً في الجوانب الرياضية والإدارية والمالية.

لكن التحدي الأكبر هو:

كيف نجعل هذا التطور ينعكس بصورة أكبر على اللاعب السعودي؟

فاللاعب العالمي الذي يأتي إلى السعودية سيغادر يوماً ما.

أما اللاعب السعودي الذي نصنعه اليوم فيمكن أن يخدم المنتخب السعودي لعشر سنوات أو أكثر.

وهنا يجب أن تكون الأولوية.

لقد أثبت الأخضر في 1994 أنه قادر على صناعة المفاجأة وأثبت في 2022 أمام الأرجنتين أن اللاعب السعودي يستطيع الوقوف أمام أقوى المنتخبات عندما تتوفر له الجاهزية والثقة والانضباط.

كما أن منتخبات الفئات السنية بدأت تحقق مؤشرات إيجابية في السنوات الأخيرة.

المطلوب الآن هو تحويل هذه اللحظات إلى منظومة دائمة.

فالمملكة لا ينبغي أن يكون طموحها مجرد:

(التأهل إلى كأس العالم).

بل يجب أن يكون الطموح:

(الذهاب إلى كأس العالم ونحن نملك منتخبًا قادرًا على المنافسة).

والطريق إلى ذلك لا يبدأ من المنتخب الأول.

بل يبدأ من طفل يمسك الكرة للمرة الأولى ومدرب يعرف كيف يطوّر موهبته ونادٍ يمنحه فرصة ومنظومة تحمي مستقبله ثم منتخب يجد أمامه في النهاية لاعباً جاهزاً للمنافسة على أعلى مستوى.

إذا أردنا منتخباً عالمياً فعلينا أولاً  أن نصنع لاعباً سعودياً عالمياً.

وهذه هي المعركة الحقيقية لكرة القدم السعودية في المرحلة المقبلة.

كاتب رياضي 

سويعد محمد موسى الصبحي

كاتب رأي وإعلامي رياضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.