صوتٌ برائحةِ الطين

صوتٌ برائحةِ الطين
حينَ يكتبُ «سعود اليوسف» بمدادِ الروح
يُشكل عنوان أي عمل إبداعي «العتبة الأولى» التي يقف عندها القارئ المتأمل؛ ليستكشف ما تُخبئه السطور بين جنباتها. وفي ديوان الشاعر سعود اليوسف (صوت برائحة الطين) -الصادر في 72 صفحة من الشجن الشفيف- ندرك منذ اللفتة الأولى عمق العلاقة التكاملية بين العنوان والمحتوى.
للطين هنا صوتٌ يغمر رهيف الحنايا، وكأن الكلمات تُعزف مع نثر ذراته فتصدر ذلك النغم العذب الذي يطرب الروح. وتظل في تساؤل فلسفي حائر: أهو صوت الطين أم عبقه الذي تمادى في نواحي الذات فأثار شجونها؟ في هذه اللحظة بالذات، ندرك حجم انسجام روح القارئ مع مداد الشاعر، وكأنه يكتب نيابةً عن الوجدان الإنساني المنهك.
رحيلٌ بين الأبيات وتضادٌّ عبث بالضلوع
حين نتأمل لوحات الديوان الشعرية، تستوقفنا مشاهد باذخة التصوير والتشكيل، يقف فيها الشاعر عند ألم الاغتراب ورحلة البحث الدائمة، فيقول:
كُنتُ أبدو إنهاك دربٍ ولا دربٍ … كأني مقطـــــوعةٌ من رحــــيلِ
تتجلى هنا صورة بلاغية عميقة؛ فالشاعر لا يشبه نفسه بالمسافر المجهد فحسب، بل يتماهى مع الفكرة ذاتها، فيغدو هو «إنهاك الدرب» و«مقطوعة الرحيل». واستخدام التضاد الموحي في (دربٍ / ولا درب) يعكس ضياع الغاية وغياب المستقر.
ثم يتصاعد هذا الاغتراب الوجداني حين تتشتت بوصلة السعي:
شردتني المنى، ففي كل أرضٍ … كان لي غربةٌ.. وتاهت خـــــيولي
وإذا ما المنى تراءت بدربـــي … صرتُ أخشى من ابتهاج الوصولِ
تُمثل «الخيول» هنا اندفاع العاطفة وشغف الإرادة نحو المنى، لكن النتيجة كانت تيهاً. ثم يباغتنا الشاعر
بـ «مفارقة وجدانية» بديعة؛ حيث يتولد لديه خوفٌ غير متوقع عند اقتراب التحقق! إنه التضاد العابث بالضلوع بين «التمني» و«الوصول»؛ إذ يخشى الشاعر أن يتلاشى سحر السعي بمجرد اللمسة الأولى للحقيقة، فتبقى مشاعره مشدودة بين رجاء الأمل ووجل التحقق.
ابتهال الحقول.. وفلسفة الذبول
في ختام هذه القراءة المتأملة، تطالعنا المقطوعة الأخيرة كهمس روحي شجي ينبعث صداه من قلب الحقول العطشى:
موغلاتٌ في الابتـــهالِ حقـولي … يتخيـــــلنَ كيف وجــــه الهـطولِ
كلما غيمُ ذكريـــــاتي تهــــادى … عـــــبر أفقي نضدتُ شوقَ نخيلي
وإذا مــا رياحُ أمــــسيَ هـــبَّت … أتراءى مُـــــــدَّثرًا بِـــــــذُهــولي!
برعمًا كُنتُ كان أولَ ما علمني … الحـــقـــــــلُ أن يــرفَّ ذُبــولـــي
تختزل هذه الأبيات ببراعة فلسفة الطبيعة والذات:
عطش الابتهال: الشاعر يجانس بين جفاف الأرض وجفاف الروح، فرسم صورة غائمة تنتظر المطر (وجه الهطول) لتسأل الخيال: كيف يبدو انهمار الأماني على قحط السنين؟
نضيد الشوق: تهادي غيوم الذكرى يقلب أوراق الأيام بلهفة، فتنبت في القلب جذورٌ خضراء تتسامق وترص الشوق أشواقاً كعقود النخيل.
التدثر بالذهول: عند هبوب رياح الماضي، ينكفئ الشاعر على ذاته متدثراً بذهوله أمام تسارع العمر.
درس البرعم: وتأتي الخاتمة بعمق فلسفي بديع؛ فالحقل لم يعلم البرعم الفتيل النماء والازدهار فحسب، بل علمه أيضاً أن للذبول حتمية، وأن استقبال هذا الذبول بكرة وشرف صامت هو جزء من حكمة الحياة، حتى لا تغيب مواسم الهطول كلياً.
وختامًا ..
لقد أجاد الشاعر سعود اليوسف في سكب مشاعره ومناولتها للقارئ في سطورٍ شعرية عذبة المقام، تنبض بأصالة الطين ورهف الحس. وما هذه السطور إلا نافذة شفافة أطللنا منها على بعض جماليات ديوانه، ولو أردنا الاستفاضة في سبر هذا المداد الباذخ، لدونّا صفحات لا تنتهي في محراب شعره.
سميرة علي الشريف