ميزان العدل المقلوب

ميزان العدل المقلوب
سيكولوجية المتسلط.. وميزان العدل المقلوب
وللظالم أمزجةٌ وأردية؛ فإن إدراكه لنفسه يضيق، وعن من حوله يتسع.. يرى بمنظورٍ مضاعف، بل بأشد اجتهاد، حتى يوقع صدقك في فخ زيفه، ويذهب بنبلك في لجة حججه. يراوغك ألف مرة، ذا مكرٍ وحيلةٍ تعود عليه بالخيبة والأَفُول.
يرى نفسه «سيد العدل والميزان» وهو أشد المبخسين له، يرى الكلّ في حقه ظالماً ومطالباً إلا هو؛ فهو عادل زمانه! وإن كان صاحب كرسيّ يُدار في ميدان عمله، فقد خاب من حوله الصادقون، والتفّ من هم على شاكلته، فلا يقترب منه تزلفاً إلا من امتلأ قلبه رغبةً في القرب والود، وطوّقته مصالحٌ هي للآخرين مخاسر.. عجزتُ كيف أصف هذا «المَضَض» حين يكون الميدان الذي تعمل فيه محكوماً بهذه الآلية!
الإدارة بالهوى.. وسطوة «الصلاحية الإدارية»
سيد المكان لا يرى نفسه ظالماً، بل لا يدرك مدى أبعاد ظلمه؛ فيضرب بسوط صلاحياته على بعض موظفيه، ويصب جام الغضب باسم «الصلاحية الإدارية»، ليس بميزان العدل وإنما بغلبة الهوى، يوقع ظلمه على من يشاء بفكره وتحيزه.
إن كلمة «لا» في قاموسه الفريد تُعدّ كسراً لقوانين رُسخت في عقله، إذ يرى أنه من المفترض على كل متلقٍّ بين يديه أن يستجيب بمحض إرادته أو رغماً عنها؛ فهو وحده من يدير دفة الحوار والميدان والمكان، وإلا فعلى الآخرين أن ينصهروا إكراهاً ويكونوا تبعاً لكل أمر. فلا مجال للنقاش؛ إذ النقاش في عرفه عقيم لا حلول له، لتظل المشكلات عائمة هائمة، وتُغلق في ملفٍ أزلي.
فلسفة «لا».. صيانة الروح والكرامة
إن كلمة «لا» تعني الكثير، فليس معناها الرفض المجرد كما هو متعارف عليه، وإنما هي إدراكٌ لحق إنساني ذاتي، وصيانةٌ للروح الإنسانية من الهيمنة والوصاية التي تُمارسها شخصيات لا تقدر قيمة الإنسان، وتنظر إليه وكأنه مجرد أداة للتنفيذ أو محور للتطوير بلا روح ولا قيمة.
ومتى ما مُكّن المتسلط في ميدانه، ولم يُتعامل معه وفق الأنظمة والأطر الحاكمة، حاسباً من حوله أدواتٍ لا بشراً، كانت النتيجة سحقاً للأفضلية، وإذابةً للجهود، وتقريباً لمن ليسوا أهلاً لها؛ لأن عملية الانتقاء تتم من خلال هواه وما يميل إليه فؤاده من رفقة المكان. هنا يطغى جانب الود الشكلي على جانب الجد والعمل، وتتلاشى الاستحقاقات، ليصبح رداء السلطة والتسلط هو سيد الموقف.
الثبات على القيم.. والوقدة الخافتة
أمام هذا الواقع، لا يعود أمام المرء إلا خياران: إما أن يقبل ويرضخ ويهزم قيمك الإسلامية والإنسانية، أو أن يبقى الإنسان الذي تؤمن بأن الصواب نور، وأن الظلام سينقشع مع أول وقدة ضوء حتى لو كانت خافتة، وأن تلك الجمهرة الملتفة على صاحب الرداء ستغيب بمجرد أن يدير كرسيه.
ستبقى كلمة «لا» —حين تُقال في وجه الاستبداد— شهادة ميلاد للروح الحرة، لا إعلاناً للعصيان؛ بل إدراكاً لكرامةٍ ترفض أن تُساق كالظل. إن المحافظة على القيم في بيئةٍ تحترف الهيمنة سلوكٌ قيمي يخوضه من يؤمن أن الصواب نور، وأن الوقدة الخافتة وسط الظلام تكفي لكشف الزيف.
الحتمية الأخلاقية.. حين يدور الكرسي
إن المناصب أرديةٌ زائلة، والأرايك آيلةٌ للاندثار، ولن يبقى في ذاكرة الميدان إلا أثر الموقف الشريف. قد يظن صاحب الرداء أن الصمت خنوع، لكنه يجهل أن الشعلة التي تعتلي الروح الملتزمة لا تُطفئها القرارات الجائرة.
غداً.. حين يدور الكرسي وتتفرق الجمهرة الملتفة، لن يصح إلا الصحيح، وسيبقى من آمن بالحق مشرقاً، بينما يطوي التاريخ أرباب التسلط في ملفات نسيانهم الأزلي.
سميرة المثمي الشريف