العالم ضدكم ….

العالم ضدكم ….
رؤية تحليلية .
الخميس الموافق ( 24 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( حين تتسع دائرة الرفض، وتتقاطع مصالح الدول في مواجهة خطر واحد ؛ فإن العزلة السياسية قد تصبح جبهة لا تقل أثرا عن جبهات القتال . )
العالم ضدكم …. .
ليست صيحة غضب، ولا عبارة إنشائية، بل قراءة لمشهد دولي أخذ يتشكل حول عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة، بعدما تجاوزت هجماتها حدود اليمن إلى المملكة العربية السعودية ، وامتدت تهديداتها إلى البحر الأحمر وباب المندب والملاحة والتجارة الدولية.
لقد أدان مجلس الأمن الدولي الهجمات الحوثية على المملكة والتهديدات الموجهة إلى الملاحة التجارية، فيما أدانت مجموعة السبع العمليات والهجمات الحوثية، وطالبت إيران بوقف تسليح الحوثيين ودعمهم.
وهنا ينبغي أن تقرأ قيادة الحوثيين المشهد بعيدًا عن وهم القوة :
كل صاروخ يطلق على مدينة، وكل مسيرة تتجه نحو منشأة مدنية ، وكل تهديد يطال سفينة تجارية ؛ لا يضيف إلى مشروعكم قوة استراتيجية بقدر ما يضيف دولة أو مصلحة دولية أخرى إلى دائرة المتضررين من أفعالكم.
لقد أخطأتم حين تصورتم أن امتلاك الصواريخ والمسيرات يعني امتلاك القوة، وأخطأتم أكثر حين اعتقدتم أن السيطرة على الأرض تعني امتلاك المستقبل.
فالقوة ليست سلاحًا فقط ؛ بل شرعية، وتحالفات، واقتصاد، وإرادة سياسية، وقدرة على المحافظة على خطوط الإمداد وتحمل الاستنزاف.
أما علاقتكم بطهران ، فلم تعد تفصيلًا هامشيًا. فعندما تطالب دول كبرى إيران علنًا بوقف تسليحكم ودعمكم ، يصبح من الصعب فصل مشروعكم المسلح عن شبكة الصراع الإقليمي الأوسع .
أنتم تطلقون السلاح، ومن يسلحكم ويدعم مشروعكم المسلح من داخل إيران لا يبقى خارج دائرة المسؤولية السياسية والاستراتيجية عن النتائج التي يخلفها استخدام هذا السلاح.
ولا تنتهي مسؤولية الدعم عند حدود التسليم ؛ متى امتدت آثاره إلى اعتداءات عابرة للحدود وتهديد الممرات البحرية.
وحين يصبح باب المندب مهددًا، لا تعود المسألة يمنية فقط . وحين تتعرض المملكة للهجمات ، لا تبقى القضية محصورة في جبهة حدودية . وحين تدخل السفن والطاقة وسلاسل الإمداد في دائرة التهديد ، تدخل معها مصالح دول كبرى إلى ساحة الحساب .
وهنا قد يتحول التمدد العملياتي من مكسب إلى عبء ؛ فكل أرض تحتاج قوة لحمايتها ، وكل جبهة تحتاج إمدادًا واحتياطًا وقيادة وسيطرة ، وكل خط إمداد طويل يحمل في داخله قابلية أكبر للاستنزاف .
لقد وسعتم الحرب… فاتسعت دائرة الرافضين لها .
العالم ضدكم …. .
ليس لأن العالم اتفق على كل شيء، فهو لم يفعل ؛ وإنما لأن أعمالكم دفعت دولًا ومصالح متباينة إلى الالتقاء في رفض الاعتداءات العابرة للحدود وتهديد الملاحة .
قد يمنح السلاح جماعة مسلحة قدرة على الإيذاء ، لكنه لا يمنحها شرعية ؛ وقد يمنحها الداعم قدرة على الاستمرار ، لكنه لا يستطيع أن يعزل نفسه عن الكلفة السياسية والاستراتيجية لأفعالها.
وفي حسابات الاستراتيجية، لا تبدأ أخطر مراحل التراجع بالضرورة بخسارة أول موقع، بل حين تتسع دائرة الرفض، وتضيق الخيارات ، وتصبح كلفة التمدد أكبر من القدرة على حمايته .
وعندها قد يكتشف الحوثيون وداعموهم أن أخطر تطويق في الحروب ليس ذلك الذي ترسمه القوات حولهم على الخريطة، بل ذلك الذي صنعته أفعالهم حول مشروعهم في الإقليم والعالم .
وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل من سورة القمر: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ﴾ الآية الكريمة رقم 26 .
