*مغتسلُ النور: الوجهُ الخفيُّ للحزن*

*مغتسلُ النور: الوجهُ الخفيُّ للحزن*
“هل الحزن مجرد طاغية يسلب جمال الحياة، أم أنه محراب خفيّ للتمكين واليقين؟ تأملات أدبية روحانية تفتح باباً من النور في عتمة الألم.”
*الوجه الذي يراه الجميع*
يُقال إنَّ الحزنَ طاغيةٌ يذهبُ بجمالِ الحياة، ويُحيلُ نضارةَ الوجهِ إلى ذبول، وينغّصُ على المرءِ حياتَه، بل يظلُّ باليَ الحيلةِ، قليلَ النفعِ، كثيرَ شَجَنٍ وأسًى…
وفي الحقيقةِ، هذا هو الوجهُ الذي يُشاهده الناظرُ، وتتمثلُ أمامه صورةٌ سويّةٌ كاملةُ الوضوحِ… ولكنَّ المنصفَ في الحديثِ عن الحزنِ ليجدُ وجهًا آخرَ فيه من البهاء ما لا يُلمس، ومن الجمالِ الخفيِّ ما لا يُرى، وهذا له من الشواهدِ الكثيرُ في تاريخِ الأنبياءِ الأصفياء.
*في متونِ قلبٍ رَوَّضَهُ الألم*
دعني أُبحِرْ في متونِ قلبٍ روَّضه الألمُ والحزنُ، وألبسهُ رداءَ بسالةٍ وإيمان، وأجرى على لسانِهِ البيان، وبات للخطوبِ خيرَ نديمٍ، ولها عظيمَ مُجاورٍ؛ فما إنْ يفَزَّ الألمُ فؤادَه فزًّا إلا رتَّلَ من الحمدِ ما يشاء، ومن الذكرِ ما لا انتهاءَ له…
صبورٌ يجري في أوردتِهِ الدعاءُ نهرًا باردًا، وتتساقطُ قامةُ ضعفهِ لله ساجدةً… ما كان إلا أوّاهًا مُنيبًا…
*يقينٌ يملأ التجاويف*
صوتٌ خفيٌّ خاشعٌ يرتجلُ في صدرٍ مُكتظٍّ بالابتهال، يتسامقُ فيصلُ إلى منتهى الصدقِ في قمةِ قلبه، يعُدُّ نِعَمَ اللهِ عليه ويجدُها أمامَ السُّقامِ الذي يعتريه خيرًا لا يوازي وجَعه، ونعيمًا اكتنزَ روحَه سنينًا مضت؛ فما يعيشُه من وهنٍ وسَقَمٍ لا يُقابلُ ما عاشَه من قوةٍ وعافية…
فهذا هو اليقينُ الذي يسكنُ تجاويفَ قلبٍ مؤمن، لا يطلبُ المددَ والعونَ إلا من خالقِ العظام، ومسوّي البنان، وحافظِ الأنام، البارئِ العظيم، الواحدِ الدّيّان…
فكيف لا يأتي المددُ والعونُ لقلبٍ خاشعٍ بصبرِه؟ سيفتحُ اللهُ له بابًا من الإجابةِ لا يُرَدُّ، ومن النعمِ ما يُذهبُ النِّقَم…
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [سورة ص: 42]
*اركض في ضياء النور*
اركض بألمِك البليدِ في مغتسلِ النورِ والشفاء، في سكبِ العطايا من ربٍّ رحيم، اركض في ضياءٍ من جديدِ نورٍ ثم نورٍ لا انتهاءَ له… اركض فالذي خلقَ الحزنَ وأودعَه في القلب، خلقَ الفرحَ ليُجليَ به ويلاتِ الأنين، ويقشعَ كومةَ الأسى من سماواتِ الروح…
اركض فالدربُ مشرقٌ، والخيرُ في دروبِه يزهرُ غصنًا غصنًا، وتَباريحُ الشوقِ تختلجُ في الوجد؛ فاللهُ مدَّ فيها مدنَ حياةٍ، وطينةً من الجنةِ تُغرسُ في عمقِها مشاتلُ العمل…
فما كان الحزنُ إلا عبورًا صامتًا نحو العَطاء؛ تُذيبُ شَقاءَهُ سَجدَة، ويَصقُلُ الروحَ يقينٌ بالله… فاسترِح في كَنَفِه، وتأهَّب لإشراقَةِ الفَجر.
سميرة مثمي الشريف
👏👏👏👏👏👏