من أصالة الجذور… وطنٌ عملاق

من أصالة الجذور… وطنٌ عملاق
—————
كتبته /صباح أحمد العمري
الوطن أرضٌ نسكنها ويسكننا، وذاكرةٌ تمتد في وجداننا، وانتماءٌ يتجدد كلما نظرنا إلى رايته، واستشعرنا ما تحمله من تاريخٍ ومجدٍ وحكاية إنسان. وفي وطننا، المملكة العربية السعودية، تتجذر العزّة في الإنسان قبل أن تكون شعارًا، وتصبح الأصالة سلوكًا، والانتماء مسؤولية، والوفاء للوطن قيمةً تتوارثها الأجيال.
ومن هنا يأتي شعار اليوم الوطني لهذا العام: «عِزّنا بطبعنا»، ليختزل في كلماته القليلة معنى عميقًا من معاني الهوية السعودية؛ فالعزّة ليست مظهرًا عابرًا، ولا قيمةً تُستدعى في مناسبة، وإنما طبعٌ أصيل يتجلى في أخلاق الإنسان ومواقفه، واعتزازه بوطنه، وتمسّكه بقيمه، ومضيّه بثقة نحو المستقبل.
وحين نتأمل دلالات هذا الشعار وأبعاده الوطنية، ندرك أنه يتجاوز حدود العبارة إلى عمق الوجدان السعودي؛ فهو يجسّد علاقة الإنسان بأرضه، واعتزازه بجذوره، وثقته بمستقبله. فالعزّة التي يحملها الشعار ليست اعتزازًا بالماضي وحده، وإنما وعيٌ بما تركه الآباء من إرثٍ وقيم، وطموحٌ لمواصلة البناء وصناعة المستقبل.
إن الاعتزاز بالماضي لا يعني الانغلاق فيه، كما أن الانطلاق نحو المستقبل لا يستدعي التخلي عن الجذور؛ فالقوة الحقيقية للأوطان تكمن في قدرتها على الجمع بين أصالتها وطموحها، وبين ثوابتها ومتغيرات عصرها. ومن هنا تتجلى العزّة في مواقف التكاتف عند الأزمات، والأنفة أمام الشدائد، والكرم في الرخاء، والإحساس بأن الوطن مسؤوليةٌ مشتركة، وأن ازدهاره يبدأ من وعي أبنائه وانتمائهم الصادق إليه.
وتتفرد الهوية السعودية بنسيجٍ يجمع بين أصالةٍ ممتدة في عمق الجزيرة العربية، وانتماءٍ صادق إلى كيانٍ وطني واحد تحت راية التوحيد. والأصالة هنا ليست مجرد موروثات شعبية أو مظاهر تراثية، وإنما منظومة من القيم التي عُرفت بها هذه الأرض وأهلها؛ من المروءة، وإغاثة الملهوف، والوفاء بالعهد، ورفض الضيم، وإكرام الضيف.
أما الانتماء، فهو الرابط الذي يجمع أبناء الوطن على اختلاف مناطقهم وتنوع تجاربهم، ويجعل من مصيرهم مصيرًا واحدًا، ومن أمن الوطن واستقراره وازدهاره مسؤوليةً يشترك فيها الجميع. وحين تجتمع الأصالة بالانتماء، تتشكل هويةٌ واثقة تعرف جذورها، وتدرك مكانتها، وتنظر إلى المستقبل بعينٍ لا تفقد صلتها بماضيها.
وبناء الأوطان لا تصنعه حجارة البناء وحدها، وإنما تصنعه العقول والضمائر والقيم؛ ومن هنا تبرز القيم الوطنية ركيزةً أساسية في بناء الإنسان السعودي. فالوطنية الحقة ليست عاطفةً تُقال، وإنما سلوكٌ يُمارس؛ تبدأ بالنزاهة والإتقان، وتكبر بالطموح والشغف، وتتجسد في تحمل المسؤولية، واحترام الآخر، والإسهام في بناء مجتمعٍ أكثر وعيًا وتماسكًا.
فكل إنجاز يحققه المواطن في موقعه، وكل عمل يتقنه، وكل معرفة يكتسبها ويوظفها في خدمة مجتمعه، هو لبنةٌ في بناء الوطن. وحين يتحول المواطن من مستهلكٍ لخيرات وطنه إلى شريكٍ في تنميته وصانعٍ لإنجازه، تصبح الوطنية فعلًا حيًا، لا مجرد شعورٍ عابر.
ولأن الوطن ليس حدودًا جغرافيةً أو مؤسساتٍ فحسب، وإنما هو نحن جميعًا، فإن مسؤولية الفرد تبدأ من الصورة التي يقدمها عن وطنه. فكل مواطن ومواطنة سفيرٌ لوطنه في أخلاقه، وعلمه، وعمله، وتعاملاته؛ يعكس ما تتميز به الشخصية السعودية من كرمٍ ونبلٍ واعتزازٍ بالهوية، مع انفتاحٍ واعٍ على العالم ومتغيراته.
وتتطلب هذه المسؤولية أن نواصل التعلم، وأن نواكب العلوم الحديثة، ونقود مجالات الابتكار، وننافس بثقة، ونحافظ في الوقت ذاته على قيمنا التي تمنح هذا التقدم معناه. كما تقتضي وعيًا يحمي وحدة الوطن ومكتسباته، ويقف أمام كل ما يسعى إلى زعزعة أمنه أو النيل من تماسكه، فالأوطان لا يحميها البناء المادي وحده، وإنما يحرسها وعي أبنائها وصدق انتمائهم.
إن «عِزّنا بطبعنا» ليست عبارةً تُقال في يومٍ وطني ثم تمضي، وإنما معنىً نراه في الإنسان السعودي حين يعتز بجذوره، ويحسن عمله، ويصنع أثره، ويشارك في نهضة وطنه. هي عزةٌ لا تحتاج إلى ادعاء، لأنها تنبع من الداخل، وتظهر في السلوك والموقف والعطاء.
وسيظل وطننا شامخًا بأصالته، عزيزًا بأبنائه، ماضيًا بثقة نحو مستقبله؛ وطنًا تتعانق فيه جذور الأمس مع طموحات الغد، وتبقى فيه الراية الخضراء خفاقةً في العلياء، توحّد القلوب، وتحمل إلى العالم حكاية وطنٍ اختار العزّة طريقًا، وجعلها طبعًا لا يتغير.
كاتبة رأي



👍 👍 🇸🇦 🇸🇦