المقامة( النعمانيّة)

المقامة( النعمانيّة)
بقلم /صباح أحمد العمري
——————–
حَدَّثَنَا مَازِنُ بْنُ مَرْوَان قَالَ:
بَيْنَمَا أَنَا أَتَسَكَّعُ فِي رِحابِ “المَوْلِ” الكَبِير، بَيْنَ جَمْهَرَةِ الخَلْقِ وَجَلَبَةِ الغَفِير، فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ بَارِدَةِ النَّسِيم، تَسْتَدْعِي شُرْبَ “الكابتشينو” وَالحَمِيم؛ إِذْ بَرَزَ لِي شَيْخٌ كَأَنَّهُ الوَقارُ مُمَثَّلَا، يَمْشِي الهُوَيْنَا¹ وَعَلَى زَوْجِهِ تَرَسَّلَا². يُدْعَى “أَبُو نُعْمَان”، وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الكِبَرِ عِتِيَّا³، لَكِنَّهُ كَانَ فِي العِشْقِ فَتِيَّا.
كَانَ يَشُدُّ عَلَى يَدِ “أُمِّ نُعْمَان” شَدَّ الضَّنِين⁴، وَيَلْصَقُ المَنْكِبَ بِالمَنْكِبِ كَأَنَّهُمَا جَنِين، فَمَا مَرَّا بِزَوْجَيْنِ شَابَّيْنِ غَارِقَيْنِ فِي “الجَوَّال”، حَتَّى غَمَزَ لَهُمَا الشَّيْخُ وَأَشَارَ بِالحَال: “هَكَذَا فَلْتَكُنِ المَوَدَّةُ لَا مَحَال”. فَيَضْحَكُ الفَتَى وَتَبْتَسِمُ العَرُوس، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا أَنْقَى النُّفُوس.
قَالَ مَازِنُ بْنُ مَرْوَان:
حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ المَسَاء، وَاشْتَهَتِ النَّفْسُ الغِذَاء؛ دَلَفَا⁵ إِلَى مَطْعَمٍ أَنِيقِ المَنْظَر، طَيِّبِ المَخْبَر⁶. فَجَلَسَا يَتَهَامَسَانِ كَزَوْجَيْ كَنَارِي، وَيَتَغَازَلَانِ غَزَلَ العَذَارِي. فَمَا كَانَ مِنْ مُدِيرِ المَطْعَمِ إِلَّا أَنْ رَقَّ قَلْبُه، وَتَحَرَّكَ وُدُّهُ وَحُبُّه، فَقَالَ: “تَاللَّهِ لَا يَخْرُجُ مِثْلُكُمَا إِلَّا مَكْرُومًا، وَلَا يَكُونُ هَذَا العَشَاءُ إِلَّا مَقْسُومًا؛ فَأَنْتُمَا خَيْرُ قُدْوَةٍ لِلأَجْيَال، وَعَشَاؤُكُمَا عَلَى حِسَابِي بِكُلِّ حَال”.
فَتَمَنَّعَ أَبُو نُعْمَان تَمَنُّعَ المُتَعَفِّفِ الأَدِيب، ثُمَّ قَبِلَ قَبُولَ الضَّيْفِ القَرِيب. فَأُحْضِرَتِ الأَطْبَاقُ الفَاخِرَة، مِنَ “المُقَبِّلاتِ” وَ”البَاسْتَا” المَاهِرَة؛ فَأَكَلَا أَكْلَ مَنْ ظَفِرَ بِالغَنِيمَة، وَأَتَيَا عَلَى آخِرِ حَبَّةٍ فِي تِلْكَ الوَلِيمَة. ثُمَّ قَبَّلَ الشَّيْخُ جَبِينَ زَوْجَتِهِ بَيْنَ المَلأ، وَقَامَا يَجُرَّانِ خُطَاهُمَا بِبُطْءٍ وَفُتُور.
فَلَمَّا بَعُدَا عَنْ عُيُونِ النَاظِرينَ، وَصَارَا خَلْفَ سِتَارِ العَالَمِينَ؛ انْتَفَضَا نَفْضَةَ الصُّقُور، وَنَزَعَا ثِيَابَ العَجُزِ وَالزُّور، فَإِذَا هُمَا شَابَّانِ كَالغِزْلَان، مَلأَا الجَوَّ بِالضَّحِكِ وَالأَلْحَان، وَقَدْ نَالَا مِنَ الطَّعَامِ أَطْيَبَهُ، وَمِنَ الاحْتِيَالِ أَعْجَبَهُ!
فَقُلْتُ لَهُمَا: “يَا لَكُمَا مِنْ مُبْدِعَيْنِ فِي المَكْر!”
فَأَنْشَدَ أَحَدُهُمَا قَائِلًا:
لَبِسْنَا لِأَجْلِ القُوتِ ثَوْبَ غَضَارَةٍ⁷
وَخِدْعَةُ جُوعِ البَطْنِ لَيْسَتْ بِمُنْكَرِ
فَصِرْنَا لِأَهْلِ العِشْقِ أَجْمَلَ قُدْوَةٍ
وَكُلُّ صُنُوفِ “البَاسْتَا” فِي بَطْنِ عَبْقَرِ⁸
كاتبة رأي
الهوامش
———
الهُوَيْنَا: المشي برفقٍ وبطء.
تَرَسَّلَا: تمهّل وتأنّى في مشيته.
عِتِيًّا: بلوغ الكِبَر غايته مع الوَهَن.
الضَّنِين: شديد الحرص والتعلّق بالشيء.
دَلَفَا: دخلا ومشيا بتؤدة.
طَيِّبِ المَخْبَر: حسن الجوهر والباطن.
غَضَارَة: النضارة والترف وحسن الهيئة.
عَبْقَر: موضعٌ تُنسب إليه الغرائب والعجائب في التراث العربي، ويُقال: “عبقري” أي فائق ومُدهش.
