كُتاب الرأي

بداية النهاية! حين نحصل على كل شيء

بداية النهاية! حين نحصل على كل شيء

تخيل عالماً لا يعرف فيه الإنسان الجوع، ولا الخوف من المرض، ولا القلق من نقص المال أو الموارد؛ عالم تتحقق فيه جميع الاحتياجات الأساسية بشكل دائم، وتصبح فيه الحياة المادية مستقرة إلى حد الكمال، للوهلة الأولى يبدو هذا العالم مثالياً، لكنه يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا سيحدث للإنسان حين تختفي حاجاته الأساسية؟

عبر التاريخ، كان الإنسان يتحرك بدافع الحاجة. الجوع يدفعه للعمل، والخوف يدفعه للحماية، والفقر يدفعه للإبداع، لكن إذا أُزيلت هذه الدوافع، فإن أول ما قد يتغير ليس الاقتصاد أو النظام الاجتماعي، بل معنى الحياة نفسه.

في حالة الإشباع الكامل، قد يواجه الإنسان ما يمكن تسميته بـ أزمة المعنى؛ حين لا يعود العمل ضرورة للبقاء، قد يتحول إلى عبء أو عادة بلا روح، وحين لا يعود النجاح مرتبطاً بالنجاة، يفقد الإنجاز جزءاً من قيمته الوجودية، هنا لا تختفي المشاكل، بل تتغير طبيعتها.

بدلاً من صراعات البقاء، تظهر صراعات من نوع جديد: من هو الأكثر تميزاً؟ من يمتلك الهوية الأعمق؟ من يترك أثراً في عالم لم يعد يحتاج إلى الأثر؟ يتحول التنافس من الموارد إلى الرمزية، ومن الحاجة إلى المعنى، ومن البقاء إلى التفوق الرمزي.

وقد يظهر أيضاً نوع آخر من الفراغ: فراغ داخلي ناتج عن غياب التحدي، فالإنسان بطبيعته كائن يتشكل عبر الصراع، وعندما يُزال الصراع تماماً، قد لا يجد نفسه، بل يجد حالة من السكون غير المريح.

وهنا يبرز سؤال أكثر جرأة: هل السعادة الحقيقية ممكنة في توفر كل شيء؟ أم أن الإنسان يحتاج دائماً إلى نقصٍ ما كي يشعر بأنه حي؟

لكن عند التأمل الأعمق، يتضح أن هذا التوازن الذي نراه في حياة البشر ليس عبثاً، بل هو جزء من حكمة إلهية بالغة، فاختلاف أحوال الإنسان بين نقصٍ وكفاية، وغنىً وفقر، وقوة وضعف، وصحة ومرض، واجتماع وتفرق، ليس اضطراباً في نظام الحياة، بل هو ما يجعلها حيّة وممتدة وذات معنى.
فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن تبقى الحياة قائمة على هذا التنوع والابتلاء، حتى تستمر عمارة الأرض، ويظل الإنسان في حركة دائمة بين الأخذ والعطاء، والسعي والصبر، والشكر والابتلاء قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾
أي في مشقة وكدّ ومجاهدة مستمرة، وهي جزء من طبيعة وجوده في هذه الحياة.
وهذا التدرج في الأحوال هو الذي يدفع الإنسان إلى العمل، ويغرس فيه الصبر عند البلاء، والشكر عند العطاء، ويجعل الحياة حركةً لا سكون فيها، وبناءً لا يتوقف، وبه تستمر عمارة الأرض وتتحقق سنة الابتلاء التي بها يُمتحن الإنسان في وعيه واختياره.
وهكذا يتبيّن أن حياة الإنسان لا تقوم على الكمال أو الاستقرار الدائم، بل على تقلبٍ مقصود بين النقص والغنى، والشدة والرخاء، والابتلاء والنعمة. فهذه الأحوال ليست خللًا في نظام الحياة، بل هي من تمام حكمتها، بها يبقى المعنى حيًّا، وتستمر حركة الإنسان وسعيه في الأرض، ولو كانت الحياة على حالٍ واحدة، لانطفأ فيها الدافع، وسكن فيها الإنسان سكونًا بلا روح، يفقد معه معنى الحياة والشغف.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.