حين يصبح التكريم مرثية متأخرة
حين يصبح التكريم مرثية متأخرة
في كل مرة يرحل فيها عالم، أو أديب، أو فنان، أو صاحب فكرة عظيمة، تمتلئ المنصات بالكلمات الكبيرة:
“قامة وطنية”… “رمز لا يتكرر”… “خسارة لا تعوض”…
تُقام الندوات، تُرفع الصور، تُكتب المقالات، وتُستعاد المواقف والإنجازات وكأن المجتمع اكتشف فجأة قيمة الإنسان الذي كان يعيش بيننا لسنوات طويلة.
لكن السؤال المؤلم الذي يتكرر بصمت:
أين كان هذا التقدير حين كان حيًا؟
لماذا ننتظر حتى يضعف المبدع، أو يشيخ، أو يمرض، أو يرحل، حتى نقرر أنه يستحق التكريم؟
وكأن الاعتراف في ثقافتنا لا يُمنح أثناء العطاء، بل بعد انتهاء الرحلة.
وكأن المبدع لا يصبح “عظيمًا” إلا عندما يفقد صوته، أو يتوقف قلبه، أو يصبح مجرد ذكرى آمنة لا تقلق أحدًا.
كم من شاعر عاش مهمشًا ثم تحولت قصائده بعد موته إلى مناهج؟
وكم من عالم حاربته البيروقراطية وهو يعمل بصمت، ثم عُلقت صورته في القاعات بعد رحيله؟
وكم من مبدعٍ أُرهق بالإهمال والسخرية، ثم بكى الناس عليه وكأنه كان كنزًا يعرفون قيمته منذ البداية؟
الحقيقة القاسية أن بعض المجتمعات لا تجيد الاحتفاء بالمبدعين وهم أحياء، لأنها تخاف من المختلف، وتتردد أمام الجرأة، وتميل إلى تأجيل الاعتراف حتى يصبح بلا ثمن.
فالمبدع الحي يزعج السائد، ويطرح الأسئلة، ويكسر التكرار، ويكشف مناطق الركود.
أما بعد رحيله، فإنه يتحول إلى صورة جميلة يمكن التصفيق لها دون قلق أو مواجهة.
نحن أحيانًا لا نكرم الإنسان، بل نكرم غيابه.
ولعل أكثر ما يؤلم في الأمر أن التكريم المتأخر لا يغيّر شيئًا في حياة صاحبه، لا يخفف تعب السنين، ولا يعوض لحظات الإحباط، ولا يمنحه الطاقة التي كان يحتاجها ليواصل العطاء؛ إنه يشبه رسالة اعتذار تصل بعد فوات الأوان.
المبدع لا يحتاج فقط إلى جائزة أو شهادة تقدير بعد رحيله، بل يحتاج أثناء حياته إلى كلمة إنصاف، ومساحة حرية، ودعم حقيقي، وبيئة تؤمن بأن الأفكار العظيمة لا تولد في الإهمال.
إن الأمم التي تصنع الحضارة لا تنتظر موت عظمائها حتى تعترف بهم.
هي تفتح لهم الأبواب وهم يعملون، وتحتفي بإنجازهم وهم يتعبون، وتحمي حقهم في الاختلاف وهم يقاومون.
أما المجتمعات التي تؤجل التكريم دائمًا، فإنها تخسر مرتين:
مرة حين تُهمل مبدعيها، ومرة حين تكتشف متأخرة أنها كانت تعيش بجوار قيمة عظيمة ولم ترها.
ربما آن الأوان أن نتعلم ثقافة جديدة:
أن نقول للمبدع “شكرًا” وهو ما يزال يسمعها،
وأن نمنح أصحاب العطاء مكانتهم قبل أن تتحول صورهم إلى لافتات عزاء؛ لأن التكريم الحقيقي ليس ما يُقال بعد الرحيل، بل ما يُمنح أثناء الحياة.
ليس أكثر قسوة من أن يمضي الإنسان عمره وهو يمنح النور للآخرين، ثم لا يجد من يضيء له لحظة تقدير واحدة قبل أن ينطفئ.
ما أقسى أن يُدفن المبدع مرتين:
مرة حين يُهمَّش حيًا، ومرة حين يُحتفى به بعد أن يصبح عاجزًا عن سماع التصفيق.
نحن لا نخسر المبدعين يوم رحيلهم فقط،
بل نخسرهم منذ اللحظة التي نبخل عليهم فيها بكلمة إنصاف، أو دعم، أو اعتراف يليق بما قدموه.
فلا تجعلوا التكريم باقات ورد على القبور،
ولا تجعلوا الوفاء كلمات تُقال في مراسم الوداع،
قولوا لأهل العطاء إنهم عظماء وهم ما زالوا أحياء، صافحوهم قبل أن تتحول أيديهم إلى ذكرى، واكتبوا أسماءهم في القلوب قبل أن تتحول إلى سيرة تُروى بعد الغياب؛ لأن بعض كلمات التقدير قد تُحيي روحًا كاملة،
لكنها بعد الرحيل…
لا توقظ أحدًا…
د. دخيل الله عيضه الحارثي
