*ماذا يريد النظام الإيراني؟*
*ماذا يريد النظام الإيراني؟*
بقلم: اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الاثنين ( 11 ) مايو 2026 م.*
يتحرك النظام الإيراني داخل هذه الحرب بمنطق إدارة الوقت لا حسمه، وبسعي لتحويل الضغط العسكري إلى مكسب سياسي قابل للبقاء. لا يتجه نحو نهاية سريعة، بل نحو صياغة مخرج بشروط تحفظ عناصر قوته وتعيد تموضعه إقليميًا ودوليًا.
يظهر وقف العمليات كمدخل تكتيكي لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب الداخل، وخفض الكلفة الاقتصادية والعسكرية. هذه الخطوة لا تمثل تسوية نهائية، بل مرحلة انتقالية تفتح باب تفاوض أطول وأكثر تعقيدًا.
تتصدر مسألة رفع العقوبات وفك القيود المالية أولويات طهران، لما لذلك من أثر مباشر على استقرار الداخل واستمرارية القرار. وفي السياق ذاته، يجري دفع الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، إلى مراحل لاحقة، عبر ترتيبات مؤقتة تخفف الضغط دون المساس بجوهر القدرة.
يتجه السلوك الإيراني كذلك نحو تثبيت حضور إقليمي معترف به، بوصفه فاعلًا لا يمكن تجاوزه. ولهذا يجري الفصل بين وقف العمليات وبين ملفات النفوذ والصواريخ، حتى لا تتحول أي تسوية إلى مسار تفكيك تدريجي لأدوات التأثير.
في المقابل، يعاد توظيف أمن الممرات البحرية في الخليج العربي كورقة ضغط، حيث يُربط استقرارها بتخفيف القيود، بما يتيح هامش مناورة سياسي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
غير أن هذا المسار لا يمكن فصله عن سلوك ميداني وقانوني بالغ الخطورة، حيث أظهر النظام الإيراني استعدادًا لتجاوز قواعد القانون الدولي للبحار، عبر تعطيل المرور البريء والمرور العابر في مضيق هرمز، بما يخالف مبدأ المرور العابر وحرية الملاحة في المضائق الدولية وفق قانون البحار، وتهديد سلامة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم. هذا النهج لا يمثل ضغطًا تفاوضيًا فحسب، بل يشكل انتهاكًا واضحًا لحرية الملاحة وتقويضًا لأسس الأمن البحري الدولي.
*ويتوازى مع ذلك نمط عملياتي تضمن استهدافًا مباشرًا وغير مباشر لدول في المنطقة، عبر وسائل تقليدية وغير متناظرة، ما يضع أمنها الوطني تحت تهديد مستمر، ويؤكد أن إدارة الأزمة لم تقتصر على التفاوض، بل امتدت إلى توظيف القوة لفرض وقائع ميدانية.*
*ويمتد هذا السلوك إلى العمق الداخلي لدول المنطقة، حيث أعلنت بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي عن ضبط خلايا تجسسية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، عملت على جمع المعلومات واستهداف مواقع حساسة وبناء شبكات نفوذ غير معلنة. هذا النمط يعكس استراتيجية تعتمد على العمل غير المباشر واختراق البيئات المحلية، بما يقوض الأمن الوطني ويحوّل الاستقرار الداخلي إلى ساحة ضغط موازية للميدان العسكري.*
*وفي هذا السياق، فإن انعقاد اجتماع يضم أكثر من أربعين وزير دفاع في لندن يؤكد أن الأزمة تجاوزت نطاقها الإقليمي إلى مستوى تهديد دولي مباشر. ولم يعد تهديد الملاحة في مضيق هرمز موضع خلاف سياسي، بل غدا اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الدولي على فرض قواعده وصون مصالحه الحيوية.*
وعلى المستوى الدولي، يعكس هذا النهج خللًا في بنية الأمن الإقليمي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى مع أمن الممرات الحيوية، ويغدو استقرار الخليج العربي اختبارًا لقدرة النظام الدولي على فرض قواعده وصون حرية الملاحة ومنع توظيفها كأداة ابتزاز.
*الخلاصة أن طهران تدير توازنًا دقيقًا: تخفيف الضغط دون خسارة النفوذ، وتهدئة الميدان دون تقديم تنازل استراتيجي، وإطالة زمن التفاوض لإعادة تشكيل شروطها، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار الممرات الدولية وأمن الدول المجاورة… بل والاستقرار العالمي.*
*حرية الملاحة ليست خيارًا… بل قاعدة لا تقبل التفاوض.*
كاتب رأي
