كُتاب الرأي

*دروس من المواجهة الأمريكية – الإيرانية / 2*

*دروس من المواجهة الأمريكية – الإيرانية / 2*

*قراءة تحليلية .*

*يظهر إمتداد المواجهة في الخليج العربي أن الصراع لم يعد محصورًا في تبادل الضربات أو إدارة التهدئة، بل إنتقل إلى مستوى أعمق يتمثل في إعادة تعريف قواعد الاشتباك البحري. لم يعد الهدف السيطرة الكاملة على الممرات، بل التحكم في مسار استخدامها بما يحقق مكاسب سياسية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.*

*في هذا السياق، يتضح أن ما يجري في مضيق هرمز يجسد نموذج الردع المرن؛ حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت مبدأ حرية الملاحة بالقوة المنظمة، بينما يدير النظام الإيراني مستوى التهديد ضمن سقف محسوب يتيح له الاحتفاظ بأوراق الضغط دون تحمّل كلفة مواجهة مباشرة. هذه المعادلة لا تُنهي الصراع، لكنها تُبقيه في حالة توازن حرج قابل للاهتزاز.*

*ومن الناحية القانونية، لا يترك الإطار الدولي مجالًا للتأويل؛ فحرية العبور في المضائق الدولية حق مكفول لا يجوز تعطيله أو التهديد به. لذلك يتحمل النظام الإيراني المسؤولية المباشرة عن تهديد الملاحة وتقويض استقرار الممرات البحرية عبر تصريحات وأنشطة ترفع مستوى المخاطر. هذا السلوك يخالف قواعد القانون الدولي ويقوّض الثقة في البيئة البحرية، ويضع مسؤولية واضحة لا تقبل التبرير أو الإزاحة.*

*أما على المستوى الاقتصادي، فقد أثبتت التطورات أن مجرد التهديد يكفي لإحداث اضطراب واسع. يرفع مستوى المخاطر كلفة التأمين والشحن، وينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وحركة الاستثمار. وبهذا المعنى، تتحول اقتصاديات المخاطر إلى أداة ضغط يستخدمها الفاعل المهدِّد، ما يعمّق حالة عدم الاستقرار التي يتحمل تبعاتها.*

*وفي امتداد لهذا النهج، جاء استهداف ميناء الفجيرة ليؤكد أن التصعيد الإيراني لم يعد محصورًا في نطاق المضيق، بل تجاوز ذلك إلى استهداف البدائل الإستراتيجية التي طورتها دول الخليج لتأمين تدفقات الطاقة. هذا التوسع في نطاق الضغط يعكس محاولة واضحة لفرض واقع جديد على حركة الطاقة العالمية، ويكشف نمطًا متكررًا يقوم على توسيع دائرة التهديد بدل احتوائه.*

*وعند قراءة المشهد من زاوية إستراتيجية أوسع، يتضح أن المواجهة كشفت عن تحول في طبيعة الردع من مفهوم “المنع” إلى مفهوم “الإدارة”. غير أن هذا التحول لا يغيّر حقيقة أساسية: الطرف الذي يدفع نحو التصعيد ويغذّي بيئة التهديد يتحمل المسؤولية الرئيسة عن استمرار الصراع. إدارة الصراع لا تبرر أسبابه، بل تضبط تداعياته ضمن حدود يمكن التحكم بها.*

*وفي هذا الإطار، يبرز دور مجلس التعاون لدول الخليج العربي كركيزة استقرار إقليمي، ليس فقط عبر التنسيق، بل من خلال تعزيز ترابط القادة وتماسك الدول وتلاحم الشعوب في مواجهة التحديات. لقد أظهرت هذه الأزمة أن دول المجلس تمتلك رصيدًا متقدمًا من الثقة المتبادلة، وقدرة متنامية على توحيد المواقف، وتكاملًا عمليًا في مجالات الأمن البحري وأمن الطاقة والتنسيق الدبلوماسي.*

*إن هذه اللحظة لا تمثل اختبارًا للتماسك الخليجي فحسب، بل فرصة لتعميقه وتطويره إلى مستوى أكثر تأثيرًا ونضجًا. ينتقل العمل الخليجي من التنسيق إلى المبادرة، ومن رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، بما يعزز القدرة على حماية المصالح وصياغة الاستقرار.*

*كما تؤكد الوقائع أن وحدة الصف الخليجي تعزز القدرة على احتواء الأزمات، وتمنح صناع القرار هامشًا أوسع لحماية المصالح المشتركة، وترسخ ثقة الشعوب بقياداتها في إدارة التحديات الكبرى. إن تماسك الموقف لا يواجه التهديد فحسب، بل يصوغ بيئة استقرار قابلة للاستمرار، ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل الخليجي المشترك تقوم على التكامل لا التوازي.*

*وخلاصة هذا الطرح، أن هذه المواجهة لا تعكس توازنًا في المسؤولية، بل تكشف بوضوح أن السياسات الإيرانية تمثل العامل الرئيس في إشعالها واستمرارها، نتيجة نهج يقوم على التهديد واستخدام الممرات الحيوية كورقة ضغط. وفي المقابل، تبرز إرادة خليجية واعية وقادرة على تحويل التحدي إلى فرصة لتعزيز التماسك وبناء منظومات أكثر قوة واستدامة.*

*من يجعل الممرات في الخليج العربي أداة تهديد، ويستخدم مضيق هرمز كورقة ضغط، ويمد أذرعه الإرهابية في المنطقة لإرباك الاستقرار… ثم يتحدث عن الأمن، لا يصنعه بل يكشف مسؤوليته الكاملة عن تخريبه وتهديد أمن الآمنين… ومن يهدم السلام وينكّل بشعبه لعقود، لا يملك حق الحديث عنه.*

كتبه ؛
اللواء البحري الركن / المتقاعد /
عبدالله بن سعيد الغامدي
*الجمعة ( 8 ) مايو 2026 م .*

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

كاتب رأي - ملحق عسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى