*بين الممرات والوساطات… من يصنع الأزمة ومن يعرقل الحل*
*بين الممرات والوساطات… من يصنع الأزمة ومن يعرقل الحل*
لم تعد الأزمة حول مضيق هرمز ضمن الخليج العربي مجرد إحتكاك عابر، بل تحولت إلى إختبار مركب لطبيعة السلوك الدولي وحدود المسؤولية في إدارة الصراع. وفي قلب هذا المشهد، يبرز نهج طهران عاملًا رئيسيًا يسرع وتيرة التصعيد بدل أن يحتويها.
إختار النظام الإيراني، مرارًا، توظيف الجغرافيا الحساسة أداة ضغط بدل أن تكون عنصر استقرار. فالتلويح بإغلاق المضيق، أو تعطيله فعليًا، لا يعكس ردعًا تقليديًا، بل يجسد انتقالًا إلى سياسة فرض الأمر الواقع على حساب أمن الطاقة العالمي. ولا يقتصر هذا السلوك على البحر، بل يمتد إلى طاولة التفاوض نفسها.
شهدت الفترة الماضية حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا فتح قنوات للحوار وضيق فجوة الخلاف، وتمكن من جمع أطراف متباعدة في لحظة حساسة. وقد عكس هذا الحراك مستوى عاليًا من المهنية والمسؤولية لدى الوسيط السياسي النبيل والشريف، رغم اتساع فجوة الخلاف بين الأطراف. غير أن هذا الحراك أصطدم بعقبة جوهرية لم تتعلق بضعف الوساطة، بل بغياب الإستعداد الحقيقي لدى طهران لتحويل التفاوض إلى مسار للحل. إذ لم تتعامل معه كفرصة لتخفيف التوتر، بل استخدمته أداة لإدارة الوقت وإعادة التموضع.
يعكس هذا التناقض بين الانخراط الدبلوماسي والسلوك الميداني نمطًا متكررًا: تصعيد محسوب يتبعه حوار مؤقت، ثم عودة إلى دائرة الضغط. لا تنتج هذه المعادلة تسويات؛ بل تطيل الأزمات. وعندما تتحول المفاوضات إلى محطة عابرة ضمن استراتيجية أوسع للمناورة، فإن الفشل لا يكشف محدودية الوسيط بقدر ما يكشف حدود نوايا الطرف الذي يتمسك بالتصعيد.
في المقابل، يواجه صانع القرار في واشنطن معضلة واضحة: يواصل الضغط بلا نهاية واضحة. لا يقود التصعيد المدروس إلى حسم، ولا يفتح التراجع مسارًا واضحًا، فتظل الأزمة في منطقة رمادية تدار ولا تحل. تمنح هذه الحالة طهران مساحة للمناورة، لكنها ترفع أيضًا إحتمالات سوء التقدير، وترفع كلفة عدم الاستقرار على المنطقة والعالم.
يتجلى أخطر أثر لهذا المسار في إعادة تعريف قواعد الاشتباك البحري. فعندما تستخدم الدول الممرات الدولية أدوات مساومة، وتستنزف المسارات الدبلوماسية دون نتائج، يتوسع نطاق الصراع ويتجاوز الإطار الإقليمي. وعند هذه النقطة، يتحول التصعيد من خيار تكتيكي محدود إلى عنصر في معادلة أمن عالمي يصعب احتواؤها.
المملكة العربية السعودية، ومعها دول الخليج العربي، تتعامل مع معادلة دقيقة: حماية المصالح الحيوية دون الإنجرار إلى مواجهة مفتوحة. تعتمد هذه الدول نهجًا يقوم على ضبط النفس وتأمين الاستقرار، مع الحفاظ على جاهزية الردع. يعكس هذا النهج إدراكًا بأن الانخراط في الفوضى لا يحقق توازنًا، بل يضاعف كلفة عدم الاستقرار.
لا يرتبط جوهر الأزمة بغياب الحلول، بل بغياب الإرادة للإنتقال من منطق الضغط إلى منطق الإلتزام. إستمرار توظيف الممرات البحرية كورقة صراع، واستنزاف الوساطات كأدوات تكتيكية، لا يمنح أفضلية دائمة، بل يدفع نحو تشكل بيئة دولية أكثر صرامة.
*وفي النهاية، لا تختبر الدول قوتها حين تغلق الممرات، بل تختبر قدرتها على تحمل تبعات فتحها بالقوة. ولا يحتفظ التاريخ بمن يبدأ التصعيد، بل بمن يضطر العالم إلى إيقافه.*
كتبه ؛
اللواء البحري الركن / م.
عبدالله بن سعيد الغامدي
*السبت 25 أبريل 2026م*

