نصوصنا التي لا يراها أحد
نصوصنا التي لا يراها أحد
محمد الفريدي
المشكلة ليست في أن الناس اليوم يكتبون كثيرا، بل إن الكتابة نفسها فقدت معناها، فقد صار كل شيء يُكتب في كل وقت وبأي مضمون، ولا أحد يسأل: هل هذا يستحق أن يُكتب أم لا؟ والسؤال الوحيد المتداول: هل سيُقرأ؟ وهل سيحصل على تفاعل؟
من هنا بدأ خللنا الثقافي؛ فلم تعد الكتابة همّا فكريا، بل تحولت إلى عادة وسلوك يومي يشبه أي نشاط تلقائي آخر لا يحتاج إلى تفكير، حيث تُنتَج نصوص كثيرة في الدقيقة الواحدة وتُنشر ثم تُنسى خلال دقائق بلا أثر ولا قيمة، ولا يبقى منها حرف في ذاكرتنا بعد قراءتها.
في الماضي، كان الكاتب يطيل الصمت حتى تتشكل فكرته، وكان انتظاره جزءا من عملية الكتابة، أما اليوم فقد انتهى الانتظار، وكل شيء يُكتب فورا حتى قبل أن ينضج، ولهذا السبب امتلأ فضاؤنا الرقمي بالكلام الفارغ.
الكثير منا يكتب اليوم لا لأن لديه ما يقوله، بل لأنه يخاف من الغياب، يخاف أن يختفي من الساحة الثقافية، وأن لا تُذكر أسماؤه، وأن لا يكون له حضور، وهذا في اعتقادي أخطر ما يحدث للكتابة في هذه الأيام.
تحولت الكتابة من حاجة داخلية ملحّة إلى وسيلة حضور اجتماعي، ولم يعد الكاتب كاتبا في الأصل، بل أصبح (كائنا رقميا). يكتب ليبقى في الواجهة فقط، لا ليقول شيئا مهما، حتى فقدنا وزنها وأثرها الحقيقي.
الكلمات نفسها أصبحت بلا مقاومة، ولم تعد هناك كلمة تُختار بعناية، كل شيء جاهز، وسريع، ومستهلك. نفس العبارات، نفس التراكيب، نفس الجمل تتكرر في كل مكان، حتى اللغة فقدت احترامها.
والأخطر من ذلك أن القارئ تعوّد على هذا المستوى، ولم يعد ينتظر نصا يهزّ كيانه أو يربك مسلّماته، بل صار يكتفي بأي شيء سريع وخفيف لا يتطلب تفكيرا، حتى أصبح التلقي لديه بلا تعمّق، ولا يميّز بين نصّ كُتب بوعي ونصّ أُنتج للظهور والاستهلاك فقط.
وهنا الكارثة: حين يتخلّى القارئ عن المعايير، نتخلّى نحن ككتّاب عنها أيضا، فتغدو العلاقة بين الطرفين علاقة بلا عمق، لا علاقة تفاعل ووعي؛ نكتب نصّا سريعا، ويقرؤه القارئ بسرعة أكبر، وينتهي كلّ شيء.
كل هذا خلق نوعا جديدا من الكتابة: (الكتابة بلا ضرورة)، نصوص تُكتب فقط لأنها سهلة ومتاحة ومعروفة للجميع، لا لأنها مطلوبة أو تحمل فكرة تستحق أن تُقال، ولا لأنها تضيف شيئا حقيقيا للقارئ أو إلى الحراك الثقافي.
الكتابة الحقيقية لا تقوم على الاستطاعة، بل على الضرورة؛ أن نكتب لأننا لا نستطيع ألا نكتب، وأن الفكرة تضغط علينا حتى تخرج من أقلامنا، فتتحوّل إلى ضرورةِ وجود لا إلى بديل، وإلى همّ مُلحّ يفرض حضوره دون استئذان.
أما اليوم فالأمر مختلفٌ تماما؛ نكتب لأننا نستطيع أن نكتب، لا لأننا مضطرون إلى الكتابة، وهذا وحده كفيلٌ بتفريغ النص من قيمته، وجعله امتدادا لضوضائنا المعرفية التي لا تترك أثرا ولا معنى.
الكاتب الحقيقي لا يملأ الفراغ، بل يواجهه ويكشفه ويظهره، أما بعض الكتّاب اليوم فيحاولون تغطية الفراغ بنصوص كثيرة، فيزداد الفراغ فراغا أو يتعمق أو يختفي ظاهريا دون أن يزول، مما يفتح باب استخدامنا لـ(الكتابة كقناع).
كثيرون يكتبون اليوم ليس لأن لديهم فكرة أو همّا، بل لأنهم يريدون إثبات أنهم موجودون، يريدون أن يقولوا: نحن هنا، نتكلم، نكتب، ونظهر في كل مكان، لكن الحقيقة أن الكتابة بهذا الشكل لا تثبت وجودهم، بل تكشف مزيدا من فراغهم، وتحوّل نصوصهم إلى صدى أصوات لا تُسمع إلا لحظة خروجها، ثم تتلاشى بسرعة.
كلما زادت النصوص غير الضرورية، ازداد غياب المعنى وضوحا، فالكاتب الذي يكتب بلا سبّب واضح أو دوافع فكرية عميقة لا يضيف شيئا، بل يكشف محاولته تعويض شعور الغياب أو الحاجة إلى الاعتراف، فتغدو نصوصه بلا روح ولا فكر، سوى رغبة في الظهور.
ولهذا تتآكل اللغة، وتُستهلك الكلمات بلا حساب، وتُستخدم في كل اتجاه، وتفقد معناها، وتصبح مجرد تكرار لا جديد فيها ولا فرق كبير بينها؛ نفس اللغة في كل مكان، ونفس النبرة، ونفس الطروحات، حتى أصبح القارئ لا يميز بين هذا الكاتب وذاك، ولا يفرّق بين نص كُتب بوعي، ونص كُتب كعادة يومية.
وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث للكتابة: أن تفقد القدرة على التميّز، لأن التميّز هو حقيقة الوعي، وحين يختفي تتحول الكتابة إلى ضوضاء لا تنقطع، والكتابة ليست سباق أرقام ولا سباق نشر ولا مساحة لإثبات الحضور والغياب، بل هي مسؤولية ثقيلة جدا، فكل كلمة إما أن تكون ضرورية لنا جميعا أو لا تكون، ولا يوجد خيار ثالث.
وحين تتحول الكتابة إلى عادة يومية بلا معنى، فهي لا تنتج معرفة بل تنتج تكرارا، وتكرار التكرار هو بداية الموت البطيء للعقول والاستيعاب، ونحن اليوم أمام وفرة خطيرة: وفرةٌ في النصوص لا وفرةٌ في الأفكار.
المشكلة ليست في الكم، بل في الجفاف الفكري الذي يكمن وراء هذا الكم، ويمكن لأي شخص أن يكتب اليوم، وهذا ليس إنجازا، والمشكلة أن القليل منا فقط من يسأل: لماذا أكتب؟ وهو سؤال كفيل بتصفية نصف ما يُنشر يوميا، لكن لا أحد يطرحه لأن الجميع مشغول بالظهور لا بالمعنى.
والكتابة هنا ليست فعلا محايدا؛ فهي إما أن تكون إضافة أو تشويشا، إما أن تكشف شيئا أو تسدّ فراغا، إما أن تكون ضرورة أو لا تكون شيئا، ولا منطقة وسطى هنا، فكل نص لا يأتي من ضرورة حقيقية ودافع فكري ووطني هو مجرد زيادة في الضوضاء فقط.
وكل كاتب لا يسأل نفسه هذا السؤال الصارم: لماذا أكتب أصلا؟ هو في الحقيقة لا يكتب، بل يكرر ما كتبه الآخرون، وهذا ما نعيشه اليوم: عصر لا يعاني من نقص الكتّاب، بل يعاني من غياب الأفكار.
والنتيجة أن الكتابة فقدت هيبتها القديمة، ولم تعد فعلا يُحسب لها حساب، بل أصبحت شيئا عاديا يُمارس بلا توقف، كأنها جزء من ضجيجنا اليومي الذي لا ينقطع، والنصوص المنشورة لم تعد تلبي شغفنا، بل أصبحت مجرد إضافة أرقام جديدة إلى تراكم هائل لا أحد يتذكر بدايته ولا يفهم ما غايته.
والأخطر من ذلك أن هذا التراكم أوهم الكثيرين أنهم أصبحوا (كتّابا)، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: كثرة الكتابة لا تصنع كاتبا، كما أن كثرة الكلام لا تصنع مفكرا ولا فيلسوفا، والكاتب الحقيقي ليس من يكتب كثيرا، بل من يعرف متى يجب أن يكتب ولماذا يجب أن يصمت.
لكن هذه الفكرة تحديدا صارت مزعجة للكثيرين منا في زمن السرعة؛ فلا أحد يريد أن ينتظر أو يتريّث، والجميع يريد أن يكتب الآن وينشر الآن ويرى ردود الفعل الآن، وكأن القيمة الحقيقية لأي نص هي في لحظة ظهوره لا في عمقه أو أثره.
تحولت الكتابة إلى ردّة فعل سريعة لا إلى فعل رصين، وأصبحت النتيجة واضحة: نصوص كثيرة لكنها بلا ذاكرة، تُقرأ ثم تُنسى فورا، لأن لا شيء فيها يستحق البقاء، فلا فكرة تثير الصدمة ولا فكرة تزعزع القناعات، ولا طرح يحرّك التفكير ولا يطرح أسئلة محرجة، ولا سؤال يظل عالقا في ذهن القارئ.
حتى النقد نفسه فقد حدّته، وأصبح جزءا من اللعبة، نقدا خفيفا محسوبا، لا يقترب من العمق حتى لا يزعج أحدا، وكأن الجميع متفق ضمنيا على ألا يذهب أحد بعيدا في أي اتجاه، والكتابة التي لا تُثير النقاد ولا تُثير التساؤلات لا تُثير التفكير، والكتابة التي لا تُثير التفكير ولا تُثير النقاد لا قيمة لها.
المشكلة لم تعد في النصوص وحدها، بل في الثقافة التي تحيط بها؛ ثقافة تكره الصمت وتكره النقد وتخاف من الصدمة ، وتعتبر أي توقف عن الكتابة نوعا من الغياب أو الفشل، بينما الحقيقة أن الصمت أحيانا جزء من النضج، وأن التوقف عن الكتابة ليس عجزا، بل قد يكون أعلى درجات الوعي.
لكن هذا النوع من الوعي لم يعد مرغوبا به، لأن السوق يريد كتّابا لا يتوقفون عن الكتابة، والمنصات والصحف تريد محتوى متواصلا، والقراء تعوّدوا على التدفق بلا انقطاع بأي شكل، وفي هذا الضغط المستمر ضاعت الجودة تماما.
والكتابة تحوّلت إلى إنتاج لا إلى تفكير، وإلى استهلاك للوقت لا إلى تشكيل رؤى، وإلى واجب يومي لا إلى موقف فكري، ومن هنا بالضبط بدأت التفاهة في التسلّل إلى فضائنا الرقمي، ليس لأنها مقصودة، بل لأنها أصبحت أسهل الطرق لملء فراغنا وإخفاء تآكلنا العميق.
ومن هنا يمكن فهم الصورة كاملة: نحن لا نعاني من نقص في الكتابة، بل من انعدام الفائدة؛ نكتب كثيرا، لكننا نقول أقل، وننتج نصوصا كثيرة، لكننا نضيف إلماما أقل، ونملأ الفضاء بالكلمات، لكننا نترك العقول فارغة كما هي، وهذا هو الثمن الحقيقي للوفرة غير المنضبطة: أن تصبح مقالاتنا رخيصة إلى درجة أنها تفقد تأثيرها بالكامل.
أعرف أنه لا أحد سيوقف تدفّق السيل الكبير، لكن كل كاتب ما زال يملك خيارا واحدا فقط: أن يسأل نفسه قبل نشر كل نص سؤالا بسيطا وقاسيا في الوقت نفسه: هل هذا ضروري فعلا؟ إذا كانت الإجابة لا، فالصمت أحيانا ليس عيبا، بل احتراما للكتابة نفسها، وحفاظا عليها من أن تذوب في زحام الكلام.
كاتب رأي


