كُتاب الرأي

حين ننكسر وينكسر الوطن

حين ننكسر وينكسر الوطن

محمد الفريدي

تحزن الأم وتنكسر حين يغيب عنها شيءٌ من أبنائها، ولو كان ذلك الشيء مجرد مسافة أو كلمة أو تغيّرا في ملامحهم، فكيف إذا كان الغياب موتا لا رجعة منه؟

يقول الشاعر كانيوس: (الموت ليس صعبا حين لا تكون الأم موجودة). عبارةٌ تختصر معنى الوطن و الموت والوجود والأمومة والألم؛ فالأم ليست جزءا غير مهم في حياتنا، بل هي الإطار الذي يجعل الحياة قابلة للصمود، وحين يغيب هذا الإطار يختلّ كل شيء، ولهذا لا يُقاس حضورها ببقائها فقط، بل بما تتركه فينا بعد رحيلها من معان لا تنكسر، وحنين لا ينطفئ.

ويحمل هذا التصور بُعدا تأمليا يتناول العلاقة بين الموت ووجود الأم بوصفها مركز الحنان والأمان، إذ لا يُنظر إلى الموت من زاوية الألم الجسدي أو الفقد وحده، بل من زاوية ما يتركه من أثر عاطفي على الأم، ويتضاعف هذا الأثر حين نتخيّل وقع خبر كهذا على أمهاتنا.

وفي حال غياب الأم أو رحيلها، يخف هذا الأثر العاطفي المرتبط بالوداع، فيبدو الفقد أقل وطأة على أنفسنا، وغالبا ما تنتمي مثل هذه المعاني إلى العبارات الفلسفية أو الشعرية التي تتأمل التجربة الإنسانية في أعمق صورها، بعيدا عن التوثيق المباشر لشاعر أو مصدر محدد.

الأم ليست مجرد امرأة أنجبت، بل كيانٌ يختزن الرحمة والحنان؛ فهي اللحظة التي يبدأ فيها وجودنا دافئا لا باردا وآمنا لا مخيفا، وحين نولد لا نستقبل العالم وحدنا، بل تستقبلنا ذراعاها ويعلو صوتها بالأهازيج كأنها تعلن للعالم أن هذا الكائن الصغير يستحق الحياة، وفي تلك اللحظة لا تكون الأم شاهدة على ميلادنا فحسب، بل صانعة لمعناه.

لكن الزمن لا يكتفي بأن يمنح، بل يأخذ؛ تكبر الأم، ويكبر معها القلق، فكل خطوة نبتعدها عن ظلّها تثير في قلبها قلقا، وكل تجربة نخوضها تتحول في داخلها إلى اختبار لصبرها قبل أن تكون اختبارا لنا، فنحن نعيش الحياة بوصفها مغامرة، وهي تعيشها بوصفها مسؤولية، نحن نركض نحو العالم، وهي تبقى تراقبنا من نافذة الدعاء.

وإن كانت الأم قد وريت الثرى، فالحكاية لا تنتهي هنا؛ فالأمومة ليست جسدا فحسب، بل أثرٌ يمتد في الروح، ويقين داخلي يشي بأن الأم، حتى بعد موتها، تظلّ حاضرة معنا، كأنها تفرح بسلامتنا وتحزن لرحيلنا، وكأن الرابط بينها وبين ولدها ليس علاقة زمنية تنتهي بالقبر، بل صلة عميقة تتجاوز حدود القبر والتراب والمقبرة.

الموت في حضرة الأم ليس أمرا جسديا فحسب، بل هو زلزالٌ كوني؛ إذ حين تموت أمهاتنا لا نفقد شخصا أو إنسانا، بل نفقد مرآتنا الأولى، وصوتها الذي كان يطمئننا حين تتكاثر علينا الخيبات، ويدها التي كانت تمسح عنا تعب الأيام دون أن تطلب مقابلا، لذلك يصبح العالم بعد رحيلها أقسى مما ينبغي، وأبرد مما يُحتمل.

يقول الشاعر إن الموت ليس صعبا حين لا تكون الأم موجودة؛ ربما لأن بغيابها يغيب الجزء الأكثر رِقّة فينا، فنصبح أكثر قسوة أو أكثر كتمانا وصبرا، لا لأن الألم يقل، بل لأنه يتبدّل شكله، فلا يعود هناك من يخاف علينا من الرحيل أو يرتجف قلبه خوفا من فقدنا، وكأن موتنا في غيابها يفقد شيئا من دراميته وثِقله العاطفي، لأن أكثر القلوب تعلقا ورحمة بنا لم يعد حاضرا.

الأم لحظةُ سمو في كل الأحوال؛ في الفرح هي أول من يبتسم بصدق، وفي الحزن هي أول من ينكسر بصمت، وفي النجاح ترى في نجاحنا امتدادا لتعبها، وفي فشلنا لا ترى إلا جرحا يحتاج إلى تضميد، وهي لا تحاسبنا بميزان العالم بل بميزان الحب، ولهذا يبقى حبها الاستثناء الوحيد في عالم الحسابات والمنافع والاشتراطات.

لكن ما الذي يجعل الأم تنكسر؟ أهو الفقد فقط، أم خيبات الأبناء، أم تحوّل الزمن الذي يسرق منها دورها شيئا فشيئا؟ الحقيقة أن انكسار الأم يبدأ حين تشعر أن وجودها لم يعد ضروريا كما كان من قبل، وحين يكبر الأبناء يظنون أنهم استغنوا، لكنها لا تستغني أبدا؛ تبقى تنتظر اتصالا منهم أو زيارة أو كلمة، وانتظارها ليس ضعفا منها، بل امتدادٌ طبيعي لعاطفة لا تعرف التقاعد.

في لحظات احتضارنا تنكشف هشاشتنا، ونعود أطفالا نبحث عن وجه يعرفنا دون أن نشرح له ما نشعر به، وعن صوت يربّت على خوفنا دون أن يسألنا ما الذي يخيفنا.

وفي أعماقنا نعلم أن لا أحد يشبه أمهاتنا في تلك اللحظة، لذلك حتى وإن كانت قد رحلت نستحضرها في خيالنا ونهمس بأسمائهن كما كنا نفعل في طفولتنا، كأننا نطلب منها أن تمسك بأيدينا ونحن نخطو خطواتنا الأولى نحو القبر، بيت الظلمة والوحدة.

المفارقة المؤلمة أن الأم، حين تفقد ابنها، تموت مرتين: مرة حين يخرج من رحمها إلى العالم، ومرة حين يخرج من العالم إلى عالم التلاشي والغياب؛ فهي في الميلاد تبتهج وتغني وتذرف دموعا خفية لأنها تعلم ما سيواجهه من قسوة الحياة، وفي الموت تنوح عليه لا لأنها تكره قضاء الله، بل لأنها تفقد قطعة من قلبها كانت تمشي على الأرض.

الأمومة ليست علاقة عاطفية فحسب، بل مدرسةٌ أخلاقية؛ منها نتعلم معنى التضحية دون ضجيج، والصبر دون شكوى، والعطاء دون انتظار مقابل، وحين ننظر إلى الأسر التي تفككت نكتشف أن أول ما تصدّعت فيها هو صورة الأم، وحين يُهمَّش دورها أو يُختزل في وظيفة يومية تفقد توازنها العاطفي والأخلاقي، فينشأ عن ذلك فراغٌ لا يملؤه أحد.

لأن الأم، حين تفقد مكانتها في قلب الأسرة، لا ينهار فردٌ واحد فقط، بل يختل ميزان الأبناء والبيت كله، وينعكس هذا الاختلال على حياتها هي نفسها، فتبدو كأنها تفقد أبناءها وهم أحياء، لأن غياب الأثر الحقيقي للأم في البيت هو شكلٌ من أشكال موت الأبناء في قلبها وهي ما زالت على قيد الحب.

الأم هي المعنى الأول للوطن، ومنها نتعلم الانتماء، وفي حضنها نفهم فكرة الأمان؛ لذلك حين تنكسر ينكسر شيءٌ في صورة الوطن داخلنا وداخلها، وحين تُهان يُهان معنى الوطنية، وعدم كسر قلبها ليس واجبا دينيا أو اجتماعيا فحسب، بل حاجة فطرية ملحّة لحفظ توازننا.

ومع ذلك، كم من أم تعيش منكسرة وحزينة ونحن لا ننتبه؟ كم من أم تخفي دموعها حتى لا تُقلق أبناءها؟ كم من أم تبتسم وهي تحمل في قلبها خوفا دائما عليهم؟ نحن نرى ابتسامتها، لكننا لا نرى السهر الطويل، ولا الدعوات الصامتة، ولا القلق الذي يرافق كل تأخير وكل غياب.

ربما لهذا السبب تبدو عبارة الشاعر قاسية وصادقة في آن واحد؛ الموت ليس صعبا عندما لا تكون الأم موجودة، لأن أصعب ما في الموت هو حزنها علينا، فحين نغيب يغيب معها جزء من العالم، وحين تغيب هي يبقى العالم، لكنه يفقد أمانه وبهجته الأولى.

الأم ليست خالدة بجسدها، لكنها خالدة بأثرها؛ فكلماتها تبقى تتردد في داخلنا حتى بعد رحيلها، ونصائحها التي كنا نراها مبالغا فيها تتحول مع الزمن إلى حكم ثمينة، وخوفها الذي كنا نعدّه تضييقا علينا نكتشف أنه كان حبًا في أقصى درجاته، وترحل عنا جسدا لتبقى فينا معنى لا يزول.

حين نتأمل هذه اللحظات السامية ندرك أن علاقتنا بأمهاتنا ليست جزءا يسيرا في سيرة حياتنا، بل هن العمود الفقري لنا؛ فالميلاد والموت، والفرح والحزن، والقوة والضعف، كلها تمر عبر بوابتهن، وتؤثر فيهن وترافقهن وتشكل جزءا كبيرا منهن، وهن بالنسبة لنا البدايةُ والدعاءُ الأخير.

فإذا كانت اليوم منكسرة وحزينة فلنسأل أنفسنا: ماذا فعلنا لها لنجعلها تبتسم؟ وإن كانت قد رحلت فلنسأل: هل نحمل إرثها كما ينبغي؟ هل نصون قيمها في حياتنا؟

لأن أفضل ما يمكن أن نقدمه لها، كانت حيّة ترزق أو راحلة، أن نكون كما أرادت لنا: صالحين، رحماء، صادقين، مبتسمين؛ لأننا حين نكون كذلك نكون قد منحناها الحياة التي لم تندثر، وأبقيناها حاضرة فينا بكل ما زرعته من حب ونقاء.

الأم ليست قصة تُروى، بل حضور يُحَسّ؛ وحين نفهم ذلك ندرك أن طهارة اللحظة التي تبتهج فيها بميلادنا أو تبكي فيها عند موتنا ليست طقوسا فرائحية أو جنائزية تمارسها، بل شهادةُ حب لا تنتهي، وفي عالمنا الذي يمتلئ بالقسوة تبقى أمهاتنا هن البرهان الأوضح على أن الرحمة، في عالمنا القاسي، ما زالت ممكنة، وحين تنكسر ننكسر وينكسر الوطن.

كاتب راي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى