كُتاب الرأي
متى يبدأ الأب في الاستماع؟
متى يبدأ الأب في الاستماع؟
فيصل مرعي الكثيري
أستعيد ذلك المساء بكامل تفاصيله الرخامية، حين كان والدي رحمه الله يتكئ على أريكته المعهودة في صالة البيت، نتقاسم صمت المكان وعجيج الأفكار مع رشفات الشاي. كنا نمخر عباب الحديث حول قضايا الحياة، تلك القناعات التي ورثناها كابرا عن كابر .. وظنناها يوما ثوابت لا تقبل القسمة على شك أو تساؤل. الأيام لم تتركني على حالي، فقد صقلت التجربة حوافي العقل وشرعت الكتب أمامي آفاقا لم تكن في الحسبان، فباتت الأسئلة التي تجيش في صدري تطلب الخروج إلى الضوء.
أدركت في تلك اللحظة أن الحوار بين الأب وابنه ليس مجرد تبادل للكلمات هو في جوهره تلاق بين زمنين، ومحاولة لترميم التصدعات التي تتركها فجوة الأجيال في جدار الفهم المشترك. فالمرء منا حين يشب عن طوق التبعية الفكرية، لا يفعل ذلك تمردا على شخوص آبائه، هو يمارس حقه الطبيعي في اختبار الحياة بأدواته الخاصة، تماما كما فعلوا هم في زمانهم.
وحين غلبني الشوق إلى الحقيقة وتجرأت بنطق ما يخدش وجه المألوف، رأيت في عينيه دهشة لم يفلح في مواراتها. لم يثر، ولم يلق بوعظه المعتاد.. ساد صمت لبرهة كأنه يختبر صدى كلماتي في ردهات ذاكرته، ثم سألني في هدوء كأنفاس الفجر: ((متى بدأت ترى الأمور بهذه الطريقة؟))
في تلك اللحظة، وجدتني أقف على أعراف الحيرة. هل أنتصر لوليدي الفكري الجديد، أم ألوذ بالصمت اتقاء لصدام وجداني لا أطيقه؟ آثرت المسلك الأشق، وقررت أن أبسط له كفي بأفكاري، وأشرعه على نافذتي التي أطل منها على العالم. الهيبة التي نحملها لوالدينا لا يجب أن تكون قيدا يمنعنا من التحليق في سماوات البحث، فالوفاء الحقيقي للأصل لا يكون بالجمود عند نقطة الانطلاق، إنما بالقدرة على استيعاب المتغيرات مع الحفاظ على جوهر القيم.
الأفكار التي لا تمر عبر مختبر النقد تظل مثل زجاج رقيق يزهو بلمعانه، فإذا ما عصفت به رياح الواقع تهاوى. هذا السجال الصادق بين الأجيال ليس ترفا ذهنيا، هو ضرورة تبني الجسور بين أطلال الماضي وبشائر المستقبل. قد يكون التغير في الرؤى علامة نضج ترتقي بالوعي، وقد يكون شططا يفتقر إلى البوصلة وفي الحالتين، لا يمكن أن يستقيم الفكر بسياط القمع، يهذبه منطق الحوار، ولا يستقيم بالوصاية الفوقية، يرشده التوجيه الذي يتسلل إلى القلب برفق.
لقد كان صمت والدي في ذلك المساء أبلغ من أي خطبة، كان صمت الحكيم الذي يدرك أن شجرة الفكر لا تثمر إلا إذا تفرعت أغصانها بعيدا عن الجذع الأم، لتستقبل ضياء الشمس من زوايا جديدة. نظرت إلى ملامحه التي خط فيها الزمن حكايا الصبر، وسألته في مودة: ((ألم يداعب التغيير أفكارك أنت أيضا حين كنت في ريعان الشباب؟))
أطبق الصمت مرة أخرى، ثم انفرجت ثناياه عن ابتسامة هادئة، وقال:
((ربما حان دوري الآن لأصغي إليك.))
