صخب الإرادة

صخب الإرادة
في قلب قرية غافية بين أحضان جبالٍ شاهقة، حيث الشتاء يفرش رداءه القارس بلا رحمة، كان يعيش شاب يدعى يوسف لم يكن يوسف يملك سلالة من الأثرياء، ولا أرضاً شاسعة، لكنه كان يملك شيئاً أثمن وأعمق ،قلباً يشتعل بفتيل لا ينطفئ، اسمه الإصرار.
كان حلم يوسف بسيطاً في ظاهره، عظيماً في جوهره ،كان يريد شقّ طريقٍ مائي صخري يربط نبع الجبل البعيد بأراضي قريته الجافة التي أهلكها المحل. سخر منه الكثيرون، وقالوا إن الجبل أصمّ، وأن يديه الرقيقتين لن تصنعا سوى الخيبات.
بدأ يوسف العمل بجد ،وفي ليلة كاحلة، هبت عاصفة هوجاء هدمت كل ما بناه في أشهر. وقف أمام الركام، والرياح تلطم وجهه، والبرد ينهش عاجه. في تلك اللحظة، لم يكن الألم جسدياً فحسب، بل كان وجعاً روحياً يمزق نياط قلبه. شعر بغصة خناقة في حلقه، وبدمعة حارقة تجمدت على خده قبل أن تسقط.
”هل انتهى كل شيء؟” همس لنفسه، والظلام من حوله يبدو كأنه يبتلع بقايا أمله.
لكن، في أعمق نقطة من الانكسار، تولد العزيمة الحقيقية. الإصرار ليس غياب اليأس، بل هو القدرة على السير فوق أشواكه.
مع أول شعاع للشمس أشرق ببطء من بين قمم الجبال، نظر يوسف إلى يديه المتشققتين، المليئتين بالجروح والندوب التي تحكي قصة كفاحه. لم يرَ فيها ضعفاً، بل رأى فيها أوسمة شرف. شعر بنبضات قلبه تتسارع، ليس خوفاً، بل تحدياً. إنها تلك الجذوة الخفية التي تسكن الوجدان الإنساني عندما يرفض الهزيمة.
تنفس عمقاً، واستنشق رائحة الأرض المبللة بالندى، وشعر بصلابة الصخر تحت قدميه وكأنها تنتقل إلى روحه. أدرك أن الجبل ليس عدوه، بل هو المعلم الذي يختبر معدنه.
قبض يوسف على فأسه من جديد. لم تكن ضرباته مجرد حركات آلية، بل كانت معزوفة وجدانية تعبر عن إرادة الحياة. كان صوت الفأس وهو يرتطم بالصخر يتردد في الوادي كأنه نشيد العزيمة.
الضربة الأولى: لأجل عيون الأطفال الذين ينتظرون قطرة ماء.
الضربة الثانية: كبرياءً بوجه اليأس.
الضربة الثالثة: إيماناً بأن من سار على الدرب وصل.
مرت الأيام والشهور، وتحول الجسد الناحل إلى سيل من الطاقة لا يهدأ. كان جسده يتألم، لكن روحه كانت تحلق عالياً، مغسولة بوجدان مفعم باليقين.
وفي نهار مشمس، ومع ضربة فأس أخيرة هزت أركان الصخرة العاصية، انفجرت المياه! تدفقت زلالاً، صافية كدموع الفرح التي انهمرت من عيني يوسف في تلك اللحظة.
ارتمى يوسف على الأرض، مزج دموعه بماء النبع الجاري، وشعر بسلام داخلي عميق يغمر كيانه. لم يكن انتصاره على الجبل، بل كان انتصاراً على الضعف الإنساني في داخله. أثبت بوجدانه الحي أن العزيمة ليست مجرد كلمة تُقال، بل هي طاقة روحية قادرة على تفتيت الصخر وإحياء الأرض الميتة.
✍🏻 ريم عبود بافنع