كُتاب الرأي

الحوثي… حين ينفد الصبر السعودي

الحوثي… حين ينفد الصبر السعودي

استفزازات الحوثي قد تنقل المعركة من احتواء الخطر إلى اقتلاع مصدره

هناك لحظة في كل صراع تتغير فيها طبيعة السؤال.

لا يعود السؤال: كيف نرد على الخطر؟

بل: هل حان الوقت لإنهاء مصدر الخطر نفسه؟

وأعتقد أن الحوثي يقترب من هذه اللحظة.

كتبت في 16 يوليو 2026 «اليمن… الهدوء الذي يسبق العاصفة»، وفي 21 يوليو «باب المندب… الفخ الذي قد يبتلع الحوثي»، ثم كتبت في 24 يوليو «أكتبها قبل أن تقع… أسابيع الحوثي الأخيرة؟».

ولم تكن تلك المقالات قراءات منفصلة، بل حلقات في مسار واحد أراه يتضح أكثر يومًا بعد آخر.

الحوثي لم يعد يختبر حدود الصبر السعودي فقط، بل بدأ باستفزازاته يصنع بنفسه المبررات التي قد تنهي هذا الصبر.

وهنا جوهر المسألة.

طوال السنوات الماضية، تعاملت المملكة مع الملف الحوثي بمنطق الدولة؛ أعطت السياسة فرصتها، وقبلت بالوساطات، وتحملت الكثير من الاستفزازات، لأنها تدرك أن الحرب ليست قرارًا انفعاليًا، وأن مسؤولية الدولة لا تنتهي عند آخر طلقة، بل تبدأ من اليوم التالي لها.

لكن الحوثي قرأ ذلك بطريقة مختلفة.

قرأ الصبر ضعفًا.

والتهدئة تراجعًا.

والبحث عن السلام حاجة سعودية يمكن ابتزازها.

وهذا، في تقديري، أخطر سوء حساب ارتكبه منذ دخوله صنعاء.

فالسعودية لا تبحث عن حرب جديدة، لكنها لن تقبل إلى ما لا نهاية أن يتحول ضبط النفس إلى مساحة يستخدمها الحوثي لإعادة إنتاج التهديد متى شاء.

وهناك لحظة تصبح فيها كلفة استمرار المشكلة أعلى من كلفة إنهائها.

وعندها تتغير المعادلة.

لا يعود السؤال:

كيف نرد على الحوثي؟

بل:

لماذا نترك للحوثي أصلًا القدرة على تكرار التهديد؟

والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الردع والحسم.

لقد جُرّب الردع.

وجُرّبت الهدن.

وجُرّبت الوساطات.

وأُعطيت السياسة سنوات، لا أسابيع.

ولهذا، إذا فُتح الباب لمواجهة عسكرية جديدة، فإن العودة إلى الدائرة القديمة لن تحل المشكلة.

الحسم الحقيقي، إذا اتُخذ قراره، يعني استعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب، وتجريد الحوثي من القدرة العسكرية التي جعلته يحول اليمن إلى منصة لتهديد السعودية والبحر الأحمر والملاحة الدولية.

أي الانتقال من ضرب أدوات الخطر إلى إنهاء منظومة الخطر نفسها.

وعلى الحوثي هنا أن يقرأ جيدًا ما حدث للانتقالي في حضرموت.

ليست الحالتان متطابقتين، ولا أضعهما في ميزان عسكري واحد، لكن الدرس السياسي يستحق التأمل:

لا تفسر الصبر السعودي بأنه قبول بالأمر الواقع.

فمن يخطئ في قراءة هدوء الرياض قد يكتشف متأخرًا أن المملكة كانت تمنح الحل الهادئ فرصته، لا تمنح الأمر الواقع شرعيته.

وهذا تحديدًا ما أخشى أن الحوثي لم يفهمه بعد.

لقد بالغ في تقدير قوته، وساهم التضخيم الإعلامي والسياسي الدولي في منحه حجمًا أكبر من حجمه الحقيقي.

نعم، الحوثي خطر، ويمتلك أدوات قادرة على الإيذاء، ولا يجوز الاستهانة به.

لكنه ليس قدرًا مفروضًا على المنطقة.

كما أن المناطق الواقعة تحت سيطرته ليست كتلة حوثية واحدة، ومن يعيش تحت سلطته ليس بالضرورة جزءًا من مشروعه.

وإذا بدأت يومًا معركة جادة لاستعادة الدولة، ورأى الداخل أن هناك إرادة حقيقية وتقدمًا فعليًا على الأرض، فقد تتغير حسابات القبائل والعسكريين والقوى الاجتماعية بسرعة.

فالجماعات المسلحة لا تبدأ بالسقوط عندما تفقد آخر موقع.

تبدأ بالسقوط عندما يفقد من حولها اليقين بأنها باقية.

ولهذا ما زلت عند ما كتبته بالأمس عن «أسابيع الحوثي الأخيرة؟».

لا أملك موعدًا لعملية عسكرية، ولا أدّعي أن قرارًا قد صدر قبل إعلانه.

لكنني أقرأ اتجاهًا.

والاتجاه، في تقديري، يقول إن الحوثي باستفزازاته يضيّق بنفسه مساحة الحلول التي أبقته طوال السنوات الماضية.

وقد يعتقد أنه برفع مستوى التهديد يرفع ثمن مواجهته، بينما قد يكون يفعل العكس تمامًا:

يرفع ثمن الإبقاء عليه كخطر دائم.

وهنا تكمن المفارقة.

لقد صبرت السعودية لأنها أرادت أن تمنح السلام فرصته، لا لأنها عاجزة عن الحرب.

وهذه هي الحقيقة التي أخطأ الحوثي في قراءتها.

لكن للصبر الاستراتيجي غاية، وعندما تصبح كلفة استمرار الخطر أعلى من كلفة إنهائه، تتغير قواعد اللعبة.

وعندها لن يكون السؤال:

كيف نرد على الحوثي؟

بل:

كيف نمنعه من أن يشكل هذا الخطر مرة أخرى؟

وهنا قد يكون الحوثي قد ارتكب خطأه الأخير.

فالسعودية صبرت لكي تتجنب الحرب…

والحوثي هو من استنفد أسباب الصبر.

وإذا جاءت ساعة الحسم، فلن تكون قيمة الضربة في شدتها، بل في نتيجتها:

استعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء الانقلاب، واقتلاع المشروع الحوثي من جذوره.

والأيام بيننا.

بقلم: المهندس صالح بن سعيد المرزم
25 يوليو 2026م

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.